كنيسة بلا جدران

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (1)

السبب في طرح هذه السلسلة من المقالات، هو طرح المفاهيم الكتابية القويمة عن العدل (وعن أشياء أخر كثيرة من مقالات أخرى)، كما يراه الله وكما رآه آباء الكنيسة. ومواجهة تفاسير مخالفة لمفاهيم آباء الكنيسة عن العدل وتعاليم متعددة؛ بدأت بالظهور في الأرض المقدسة في العقود الأخيرة، تحت مسمى اللاهوت الفلسطيني، لاهوت التحرير الفلسطيني، اللاهوت في السياق الفلسطيني، اللاهوت المسيحي من منظور فلسطيني! مع تعدد التسميات وتطور هويته مع الوقت، إلا أنها تتكلم عن نفس الطريقة التي يفهم بها بعض اللاهوتيين الفلسطينيين الكتاب المقدس. سنجد من خلال هذه المقالات، عدة أمور وأساسات روحية عن العدل؛ إذا فهمناها لن نضل أبدًا ولن نقع في أي تفاسير خاطئة متضارب مع كلمة الله وروح المسيح. 
سيكون الطرح ليس أكاديمي، كمعظم مقالاتي؛ لذلك كل الاستشهادات التي سأستخدمها، هي استشهادات متاحة على الانترنت، لتكون متاحة لفحص القارئ المؤمن في أي مستوى كان.

العدل هو أمر إلهي دعا إليه الله؛ نتعلم عنه بشكل عام في كتاب العهد القديم، تحت كلمتين: 
(1) الكلمة العبرية "צֶדֶק  صيدِك"، في العهد القديم؛ تترجم في ترجمة الفانديك بكلمات: الحق، البر والعدل. ويوازيها ثلاث كلمات يونانية في العهد الجديد، تُرجمت بكلمات: بر، حق، صدقة وعدل.
(2) الكلمة العبرية "מִּשְׁפָּט  مِشْبَاط"، في العهد القديم؛ تُترجم في ترجمة الفانديك بكلمات: الحكم، القانون، والقضاء. ويوازيها كلمة يونانية في العهد الجديد، ترجمت بكلمات: عدل وعقاب. وهذه الكلمة بالذات، في العهد الجديد، متوحدة فقط للتعبير عدالة وعقاب الله للخطاة، وتكررت فقط 3 مرات.
لأن القضاء كان ممارسة مطلوبة من القضاة على وقت شريعة موسى؛ حيث كان القضاء يشمل أيضًا الشؤون المدنية، وكان جزءً من الشريعة. أما في عصر المسيح، فالقضاء المدني تُرك لقانون الدول وليس للكنيسة؛ لذلك كلمات: "عدل وعقاب" في العهد الجديد، متوحدة على قضاء الله فقط، وعقابه للأشرار؛ بخلاف العهد القديم. لكي لا نخلط الحابل بالنابل ونسيء الفهم، عندما نواجه آيات في العهد القديم تتكلم عن الـ "מִּשְׁפָּט  مِشْبَاط"، القضاء، الحكم، القانون!!!
(انظر في نهاية المقال على تفاصيل أكثر بخصوص دراسة مُوَسَّعة للكلمات الأصلية)

من البديهي لنا كمسيحيين، الإدراك أن الكتاب المقدس هو المنهاج الوحيد للعدل؛ لكن ألا يمكن إساءه تفسيره؛ أو تفسيره بطرق مختلفة بين مفكرين ولاهوتيين مسيحيين مختلفين؟
ولهذا السبب بادرت بفحص ودراسة الكتاب المقدس بخصوص شعار العدل وحيثياته ومفاهيمه في سياقه وتاريخه؛ وامتحان تعاليم اللاهوت الفلسطيني. فوجدت أنه من الضروري إبراز التفاسير الأدق، بحسب رأيي، لأقدم شرحًا عن العدل الكتابي وبعض المفاهيم الكتابية الأخرى الضرورية. لتقف مقابل مفاهيم وتفاسير لاهوت التحرير الفلسطيني، وليضاف هذا الرأي اللاهوتي؛ لكي يمكن القارئ من فحص وتبعية التعليم الصحيح. محققًا بهذا وصية الرب القائلة: " امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" (1 تسالونيكي 5: 21).
إن حركة لاهوت التحرير المسيحي، هي حركة بدأت من أواخر ثمانيات القرن الماضي بتأسيس مركز لاهوت التحرير المسكوني – "ألسبيل"، عن طريق القس نعيم عتيق، سنة 1989. هدف هذا المركز هو: "السبيل، هي حركة لاهوتية تحريرية شعبية مسكونية بين المسيحيين الفلسطينيين. تُستلهم هذه الحركة اللاهوتية التحريرية من حياة وتعاليم السيد المسيح، وتسعى إلى تعميق إيمان المسيحيين الفلسطينيين، وتعزيز وحدتهم، وحثهم على العمل من أجل العدالة والسلام." (sabeel.org - About). 
الفكرة تبدو جميلة، لكن إذا دققنا في التفاسير المختلفة للكلمات الواردة في هدفها، نجد مشاكل عديدة:
ما المقصود بكلمة "تحرير" مثلا؟ هل هو تحرير من احتلال الاسرائيلي!؟ الجواب نعم؛ لكن هل هذا هو مفهوم التحرير والحرية الذي علمها وحي العهد الجديد!!؟ 
ما المقصود بـ "الوحدة"، هل هي وحدة حول المسيح؟ أم القراءة السياسية واللاهوتية التي يتبنونها؟ وإذا كانت وحدة حول المسيح والخلاص؛ لماذا هم غير قادرين على التوحد مع مسيحيين لهم قراءة سياسية وتاريخية ولاهوتية للصراع مخالفة لقراءتهم (مثل المسيحيين الصهاينة، كما يسمونهم؛ أو كثيرين آخرين في كل الوطن العربي، ومنهم عابرين)؟؟
"وتسعى إلى تعميق إيمان المسيحيين الفلسطينيين": إيمان بماذا؟ بأفكار اللاهوت التحريري؟؟ أم الإيمان بما آمن به آباء الكنيسة؟ وهل ما يطرحونه هو إيمان آباء الكنيسة أصلا!!؟ وهل تعزيز وحدة المسيحيين، يقوم على التهجم على مسيحيين آخرين، يؤمنون بقانون الإيمان، لكن لهم قراءة سياسية تختلف عن قراءتهم الفلسطينية/العربية/الإسلامية؟
وما المقصود بالعمل لأجل العدالة والسلام؟ ما هي العدالة التي يتكلمون عنها؟ (وهو موضوع المقال)؛ وعن أي سلام يتكلمون؟؟ وما هو تعريفهم للسلام؟ أُسُسه ومبادئه، بحس الكتاب المقدس!؟
فنرى من خلاصة عملهم، أنهم يسعوْن لإشراك المسيحيين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ومواجهة ظلمه، بطرق متناغمة مع الكتاب المقدس، بحسب تفاسيرهم (مثل حركة المقاطعة لإسرائيل BDS). وشكل هؤلاء اللاهوتيون منتدى يجمعهم تحت اسم "كايروس فلسطين" سنة 2009 (ar.wikipedia.org/wiki). لكن التفاسير والتطبيقات العملية التي يطرحها هذا اللاهوت، بعضها لا يتناغم مع الكتاب المقدس. ومن ضمنها، طرح تفاسير ليست دقيقة عن العدالة والعدل،  وموقف الله تجاه المظلوم، ودور الكنيسة في خدمة العدل. سنركز في هذا المقال على قضية مفاهيم العدل الكتابي؛ وخدمة العدل على يد الكنيسة والمؤمن.

مقدمة: أساس اللاهوت الفلسطيني:
إن لاهوت التحرير الفلسطيني، هو ليس لاهوت تحرير (إذا درسنا مفهوم الحرية في العهد الجديد)، وليس فلسطيني. بل لاهوت مستورد من لاهوت التحرير (Teología de la liberación) الذي اسسه أحد كهنة الكاثوليك، اسمه (Gustavo Gutiérrez) في أواخر ستينيات القرن الماضي في دولة البيرو؛ وانتشر في دول جنون أمريكا. يُعرَّف بحسب موسوعة بريطانيكا، كالآتي:
" ظهرت هذه الحركة في أواخر القرن العشرين ضمن الكنيسة الكاثوليكية، وتمركز في أمريكا اللاتينية. وتسعى إلى تطبيق الإيمان الديني من خلال مساعدة الفقراء والمضطهدين عبر المشاركة في الشؤون السياسية والمدنية. وتؤكد على زيادة الوعي بالبنى الاجتماعية والاقتصادية "الخاطئة" التي تُسببت بالتفاوت الاجتماعي، وعلى المشاركة الفعّالة في تغيير هذه البنى (تغييرًا سياسيًا)."
سياق ولادة هذا اللاهوت، كان وليد شعب أكثر من 90٪ منه مسيحي؛ يعاني في دول عديدة من جنوب أمريكا، من الفقر، والقهر، والظلم السياسي، والمجتمعي. فبدأ ينشيء لاهوتًا يحث على النشاط السياسي والحراك في الدولة، لكي تنصف الفقراء والمساكين وترفع الظلم عنهم. لكن نجد أن نظرة هذا اللاهوت للعدل، وهو موضوعنا في هذا المقال، هي مزيج بين مفاهيم كتابية مختلطة بالماركسية. وأبعد من ذلك، يتعبرها عدد من النقاد بأنها سطحية، حتى من ناحية ماراكسية! "استيراد فقير من الماركسية" (britannica.com/topic/liberation-theology). لذلك واجهت انتقادات لاذعة، حتى في نفس إطار الكنيسة الكاثوليكية. من تحليلي المختصر لهذا اللاهوت وقراءاتي عنه؛ أراه يقف على رجلتين: رِجل محاربة سياسيًا وحقوقيًا لأجل "العدل"؛ ورِجل محاربة دينيًا. لمحاربة القيادة الدينية الكاثوليكية، التي تتعاون مع السلطات السياسية التي نشأت فيها، والتي تقهر الفقير؛ دون أن يواجهونها بانتهاكاتها وظلمها! بدى لهم نهج القيادات الدينية المتخاذلة، متضارب مع دور الأنبياء في العهد القديم. الذين واجهوا ملوكًا فاضحين ظلهم؛ مثل فضح النبي إيليا للملك آخاب الذي سلب حقل نابوت اليزرعيلي، ومن ثم قتله (1 ملوك 21)...إلخ. ونجد لاهوت التحرير الفلسطيني، الذي استنسخ لاهوته منهم، واقفًا أيضًا على نفس الرجلتين تمامًا مثلهم؛ رجل مقاومة للاحتلال الإسرائيلي والدعوة لوقف الظلم عن الفلسطينيين؛ والرجل الثانية محاربة دينًا، محاربة لما يسمونه بالمسيحية الصهيونية، التي "تدعم" هذا الاحتلال والظلم أو ترى انتهاكاته دون أن توبخه عليها. 
فهل نموذج لاهوت التحرير الفلسطيني صالح لسياقنا الفلسطيني (كما يقولون)، أم لا؟؟
سنرى من مستهل المقالات الإجابة على هذا السؤال. وستكون هذه المقالات منحصرة حول قضية مفهوم العدل، وكيف نتعامل معه ككنيسة وكمؤمنين. وسيكون الطرح تعليمي أكثر منه نقدي، لنتعلم ما هو العدل فعلا، وما هو دورنا في ترويجه. لتوضيح الفرق بين ما يعلمه الكتاب المقدس فعلا واللاهوت الفلسطيني؛ في أهم النقاط، بما يخص العدل:

(1) البر والعدل وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما:
البر: (عدالة في حق الخالق - الله) تحتكم لمعايير الخالق وحقه على الإنسان الذي خلقه.
العدل: (عدالة بحق البشر - الإنسان) تحتكم لمعايير الخالق.
أي بعدما يوفي الإنسان للخالق حقه؛ يبدأ يطبق البر في إنصاف الإنسان، المخلوق.
أكون عادلاً في حق الخالق، وعادلاً في حق المخلوق. أن تحب الرب من كل قلبك، نفسك وفكرك؛ ونرى كيف المسيح أصر على ربطها مع وصية تحب قريبك كنفسك. وهذا يظهر المعيار الإلهي للعدل الحقيقي بين البشر: حب الله من كل الكيان؛ وإذا كان حبي لله حقيقي، يجب أن أحب الإنسان (متى 22: 36-39 ومرقس 12: 29-31 و1 يوحنا 4: 20). أي حب الخالق، والذي يجب أن ينتج عنه حب المخلوق!
ترويج "العدالة" الدنيوية تجاه البشر فقط، ليس لها علاقة بالعدالة الكتابية وهي ليست عدالة أصلا! بل منتوج بشري ليستبدل العدل الحقيقي الذي يعلمنا إياه الله.
نرى هاذان الجانبان في قول المسيح:
"17 فَقُلْ لَنَا: مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟»... 19 فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» 20 قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ»" متى 22.
السؤال هو سؤال حيوي وفي غاية الأهمية: هل يجوز لنا كمؤمنين أن ندفع ضرائب لدولة تظلمنا؟ الجواب: نعم. أوف العدالة في حق الله، وفي حق الدولة والشعب الذي وضعنا به الله.
أولا العدالة في حق الخالق، ثم العدالة في حق المخلوق: 
إن هذا المبدأ عرفه آباء الكنيسة دائمًا؛ وأثر على ترجمة الكتاب. فأحد أركان الكتاب المقدس العشر، المذكورة في مزمور 119، هو "حقوق الرب" بحسب ترجمة الروم الأرثوذكس:
"مبارك أنت يا رب، علمني حقوقك" مزمور 119: 12
القداس الكاثوليكي، في أحد أقسامه: 
الكاهن يقول: "هلم نشكر الرب إلهنا"
جواب الرعية " إن ذلك حقٌ وعدل"
استقى الآباء مفاهيمهم من نفس العهد الجديد، من آيات تدعونا أن ندرك حق الله علينا:
"12 وَنُشْهِدُكُمْ لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ ِللهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ" 1 تسالونيكي 2.
نعم، هدف الكنيسة الأول، هو أن تدعو الناس ليتوبوا ويوفوا العدل في حق خالقهم! 
ترويج وتسويق ما يسمى بـ"العدل"، مع التغاضي عن حق الله؛ هو عبارة ترويج منتوج بشري زائف، ورمي المنتوج الإلهي خلف ظهرك! وهكذا يفعل دعاة لاهوت التحرير الفلسطيني للأسف، من بعض المفكرين ورجال الدين المسيحيين في الأرض المقدسة. فبدأوا يعلمون أنه من الضروي للكنيسة أن تواجه حالة الظلم لإسرائيل (دون أي دولة أخرى في الشرق الأوسط طبعًا). فليس كل "عدل" مزعوم، هو فعلا عدل بمفهوم الله؛ وليست كل مناداة بشعار العدل، بالضرورة له علاقة بالله وعدالته الكتابية. فممكن أن يكون "العدل" المزعوم أكذوبة، ومجرد قناع سياسي! وأيضًا ممكن أن يصبح العدل المزعوم أداة قتل وسلب ودمار وقمع، ووصفة شيطانية لقمة الظلم والجرائم! فهتلر أيضًا في حلفه الجمهوري عندما انتُخِب، وعد الألمان بتحقيق العدل للجميع!
"سأبذل كل قوتي لأجل سلامة الشعب الألماني، حماية الدستور والقانون للشعب الألماني، أداء الواجبات الموكلة إلي بضمير صالح، وإدارة شؤون منصبي بنزاهة وعدالة للجميع"
(January 30th, 1933, Hitler being sworn in)
طبعًا، مَنْ منا لا يريد أن يرى شعبه الفلسطيني يتمتح بالكرامة وحقه في أرضه؛ وعيشه الكريم دون ظلم إسرائيل وغيرها، كإنسان حياته مساوية تمام لحياة الإنسان اليهودي ولكل إنسان آخر. لكن نحن نتكلم عن رؤية الله للعدل الحقيقي، وعن طريقة تحقيقه. لكي لا نخلط الأمور، ويشعر البعض أننا لا نريد الخير لشعبنا. فالقضية هنا أننا نبحث عن طريقة الله لتحقيق العدل؛ لأنه ليس كل مناداة بشعار "العدل"، لها بالضرورة علاقة بالله!!

وما هو العدل الأرضي البشري أصلا؟ هو النظام "الظالم"، بحسب رأي الله! 
دعونا ننظر لهذه الآية التي فيها الوحي ينهى المؤمنين على أخذ بعضهم البعض لمحاكم العالم، قبل دعوة الكنيسة لكي تحكم بينهم:
"أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟" (1 كورنثوس 6: 1).
فالآية تعلمنا بوضوح رأي الله بنظام "العدالة" الفاسد الذي يسوقه لك مروجي اللاهوت الفلسطيني، يسميه الله نظام "الظالمين"!!!
محاكم العالم، الأمم المتحدة، البنك الدولي، المحكمة الدولية... إلخ، الذي يروجونه؛ هو نظام العالم المُسَلَّم للشرير الذي يُسَيِّر سياسات العالم، الظالم والفاسد!! فلا تجعل هؤلاء يضحكون عليك ويسوقون لك "العدل" العالمي، على أنه منتوج إلهي. 
فهل يجب أن لا نلجأ للقضاء في العالم، لأنه نظام "الظالمين"؟
بالطبع لا، بل نعمل من خلاله، لأنه هو المتاح لدينا؛ كالعديد من القوانين والأنظمة الفاسدة في الدول، التي نعيش بها. فهو النظام المتاح لنا، لنعمل من خلاله؛ هو مفيد وأفضل بكثير من الفوضى والانفلات. لكن يجب أن نعلم بكل يقين، أنه نظام لا يستجيب لمعايير الله في العدل، القائمة على العدالة في حق الخالق أولا (البر)، والعدالة بحسب المعايير الإلهية الكتابية فقط، في حق المخلوق (العدل).

(2) العدالة ليس لها معايير مزدوجة:
مفهوم العدالة لدى لاهوت التحرير الفلسطيني، هو خليط ما بين الماركسية والمسيحية! حيث مبدأ الماركسية التي تبناه هؤلاء، هو أنه في العدالة يجب أن تكون شديدًا على القوي والغني وتعامله بمعايير عالية جدًا؛ أما الفقير والضعيف، فيجب أن تتساهل معه! فكيف يُعقل أن تطبق مبادئ عدالة على المُحتل، السَجَّان (الإسرائيلي)، وتطبق نفس المبادئ والقانون على الذي يقع تحت الاحتلال، السجين (الفلسطيني)!! لذلك مستحيل أن تجدهم ينتقدون السلطة الفلسطينية أو حماس أو غيرها؛ بل كل طاقتهم منصبة في انتقاد إسرائيل، الدولة القوية، المزدهرة، المحتلة!! أما الكتاب المقدس، فيؤكد أن السجين والسجان، الظالم والمظلوم، يخضعون لنفس القانون؛ لا يوجد معايير مزدوجة في العدل والقضاء.
العدالة الكتابية، لا يوجد فيها معايير مزدوجة في القانون أبدًا:
"15 لاَ تَرْتَكِبُوا جَوْرًا فِي الْقَضَاءِ. لاَ تَأْخُذُوا بِوَجْهِ مِسْكِينٍ (דָ֔ל كادح) وَلاَ تَحْتَرِمْ وَجْهَ كَبِيرٍ. بِالْعَدْلِ تَحْكُمُ لِقَرِيبِكَ" لاويين 19.
أي أن عباردة "بالعدل تحكم"، تعني أنه إذا كان هناك تمييز بالقضاء، بناء على حالة الإنسان، كادح، غني، ضعيف، قوي، ظالم ومظلوم، لا يمكن أن يكون حكمك عادلاً، بحسب معايير الله!!
"2 لاَ تَتْبَعِ الْكَثِيرِينَ إِلَى فَعْلِ الشَّرِّ (لا تقل، معظم الناس يقولون كذا وكذا؛ عقلية "لا للحق، ونعم للإجماع"، التي تسرب من الإسلام لثقافتنا المسيحية للأسف!!)، وَلاَ تُجِبْ فِي دَعْوَى مَائِلاً وَرَاءَ الْكَثِيرِينَ لِلتَّحْرِيفِ (وحتى لو كل العالم قال شيء، تتبع الوحي ولا تتبعهم) 3 وَلاَ تُحَابِ مَعَ الْمِسْكِينِ فِي دَعْوَاهُ (لا يوجد معايير مزدوجة للعدل!)" خروج 23.
"30 لاَ يَسْتَخِفُّونَ بِالسَّارِقِ وَلَوْ سَرِقَ لِيُشْبعَ نَفْسَهُ وَهُوَ جَوْعَانٌ 31 إِنْ وُجِدَ يَرُدُّ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَيُعْطِي كُلَّ قِنْيَةِ بَيْتِهِ" أمثال 6.
هل يقبل دعاة اللاهوت الفلسطيني هذه الآية!؟ تحكم على فقير بهذا القدر من "القساوة"، وهو جائع وسرق ليأكل!!؟ وما الحكمة الإلهية من وراء طرح هذا الحكم، الذي يبدو صارمًا بشكل كبير؟ 
للجائع هناك طرق كثيرة لنيل الطعام. فإذا دق أي باب من شعب الرب وطلب أكل، لن يرفض إعطائه معظم الناس في مجتمع الشرق القريب. وممكن أن يفتح له الرب وظيفه بينما يطرق الأبواب؛ فلن يضطر بعدها لأن يستعطي! لكن عندما يبدأ بالسرقة ليأكل دون ردع؛ ستتطور حالة السرقة والشر لديه. إلى أن يقتل ليسرق في المستقبل، فيسود الفساد وعدم الأمان على المجتمع.
الجميع ينالوا نفس الاحترام أمام القانون:
"17 لاَ تَنْظُرُوا إِلَى الْوُجُوهِ فِي الْقَضَاءِ. لِلصَّغِيرِ كَالْكَبِيرِ تَسْمَعُونَ. لاَ تَهَابُوا وَجْهَ إِنْسَانٍ لأَنَّ الْقَضَاءَ ِللهِ. وَالأَمْرُ الَّذِي يَعْسُرُ عَلَيْكُمْ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيَّ لأَسْمَعَهُ" تثنية 1.
لذلك إذا أردتم يا دعاة اللاهوت الفسطيني أن تواجهوا ظلم إسرائيل، دعنا نقول جيد. لكن يجب أن تستخدموا نفس معايير العدل لمواجهة فساد السلطة الفلسطينية، حماس، والمنظومة المجتمعية الفلسطينية المليئة بالظلم. وإذا أردتم مواجهة ظلم المستوطنين اليهود، جيد؛ لكن يجب أن تواجهوا ظلم التطرف الإسلامي في فلسطين ضد المسيحيين بنفس المعايير أيضًا، ولا تتستروا عليهم. وإذا أردتم أن تواجهوا ظلم الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية؛ بنفس المعايير يجب أن تواجهوا ظلم أسرى حماس لدى السلطة الفلسطينية، وجرائم حماس في غزة ضد عناصر فتح والسلطة أيضًا!! هل أنتم مستعدين لفعل هذا بنزاهة وبلا تحيز؟ 

(3) الكنيسة، هي من توفر العدلة للفقير!!
إن المسيح دعا أتباعه وكنيسته لإطعام الفقير وتوفير له النعم الإلهية المحروم منها!  
"لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي...." (متى 25: 35-46). 
وهذا ما آمن به كل آباء الكنيسة الأوائل من جهة العدالة الاجتماعية؛ مناصرة الفقير وتوفير له الأمور المجتمعية المحروم منها. فالمسيح قال: " فَأَطْعَمْتُمُونِي.. فَسَقَيْتُمُونِي.. فَآوَيْتُمُونِي ..."، موجهًا توقعه من كنيسته! لذلك كانت الكنيسة عبر العصور، هي التي توفر للفقراء الطعام، اللباس، مدارس عادية وداخلية، الجامعات، المعاهد، المستشفيات، بيوت الأيتام، الملاجئ، المؤسسات الإنسانية... إلخ. وذلك لتوفير هذه النعم للفقير الذي لا يقدر أن يوفرها لنفسه، والتي لا توفرها له الدولة. لذلك كان إيمان الآباء أن المسيح متوقع من الكنيسة توفير هذه النعم للفقراء والمحتاجين:
" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لاَ حَاجَةَ لَهُمْ أَنْ يَمْضُوا. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا»" (متى 14: 16).
أما الانحراف الذي حدث في لاهوت التحرير، فهو أنهم جعلوا الكنيسة تعمل في التغيير السياسي والدعوة لرفع الظلم، لكي تجعل الدولة نفسها تحقق "العدل"، الذي سيقدم هذه النعم للفقراء، وليس الكنيسة!! وطبعًا هذا الموضوع يحتاج لمقالات لشرحه وشرح مدى تأثيره السلبي على ملكوت المسيح!
فأصبحت الكثير من الكنائس مثل منظمات فاشلة لحقوق الإنسان، وفقدت إرساليتها العظمى. وقبلت أن تقطع أحد أيديها التي وصلت بها للبشرية خلال أكثر من 18 قرن، لتحقيق المأمورية العظمى!! فالمسيح قال للكنيسة: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي..."؟ ولم يقل: " لأَنِّي جُعْتُ فطالبتم بالعدالة لأجلي..."!!!
وطبعًا الكنيسة الفلسطينية المباركة، هي من أكثر الكنائس التي تقدم هذه النعم للفقير والمظلوم والمحتاج، وأنا احترمها وأقدرها لهذا؛ لكن السؤال هنا هو: ما هي رؤية اللاهوت الفلسطيني النهائية؟ هل هي تحقيق مجتمع خالي من الظلم الاجتماعي والسياسي؟ 
جميل، فأوروبا فيها "عدالة اجتماعية" بحسب مفهومهم الأرضي للعدل، فماذا إذًا؟؟ هل الملائكة في السماء ترقص من الفرح على "عدالتهم"!!!؟ 
إن هذه "العدالة الاجتماعية" الأرضية، التي يتطلع لاهوت التحرير لتحقيقها، جعلت الكنيسة، غير المحتاجة لمساعدة الفقير (لأنه غير موجود)، شبه ميته في أوروبا!! وعندما استقبلت أوروبا لاجئين، يائسين، مظلومين، هاربين، فقراء ومحتاجين، وبدأت تقدم المعونة والمساعدة كما تعلمت عبر العصور، انتعشت الكنيسة!!! فما الذي سينتج الثمر هنا للملكوت بالنسبة لله؟ العدل الأرضي البشري؟ أم حكمة الله التي هي الوحيدة التي ستحقق العدل والخلاص؟ نحن نطيع الله وندعو الناس لتوف الحق والعدل له، والله يحقق وعوده، ويبرئ الأرض (2 أخبار 7: 14): 
"8 «لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. 9 لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ" إشعياء 55.

(4) نظام اقتصادي اشتراكي، لكن طوعي، من القلب:
إن المساواة بين البشر، هي أساس أهم مبادئ الكتاب المقدس؛ الذي نتعلم منه عدم التمييز بين إنسان وإنسان؛ من أعظمهم: نبي، كاهن، ملك، لأصغرهم: الفقير، ذو الإعاقة، والذي يستعطي.  لذلك فكرة الاشتراكية في الموارد، هي أصلا فكرة متجذرة في الكتاب المقدس، وليس من ابتداع كارل ماركس، مؤسس الاشتراكية والشيوعية. ابتداءًا من نيل شعب إسرائيل لحريته السياسية والدينية في برية سيناء؛ حيث كانوا متساوين في كل شيء: "1.. جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، 2 وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، 3 وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، 4 وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا.." (1 كورنثوس 10). لكن الاختلاف الجذري بين اشتراكية الكتاب المقدس واشتراكية كارل ماركس، هو أن اشتراكية الكتاب المقدس قائمة على تغيير قلوب الناس بعدما تتبع الرب تبعية طوعية: 
نموذج عن الاشتراكية في العهد القديم
"1 «فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. 2 وَهَذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لا يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلا أَخَاهُ لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ (مسح كل ديون الكادحين في السنة السابعة)... 7 «إِنْ كَانَ فِيكَ فَقِيرٌ، أَحَدٌ مِنْ إِخْوَتِكَ فِي أَحَدِ أَبْوَابِكَ فِي أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، فَلاَ تُقَسِّ قَلْبَكَ، وَلاَ تَقْبِضْ يَدَكَ عَنْ أَخِيكَ الْفَقِيرِ، 8 بَلِ افْتَحْ يَدَكَ لَهُ وَأَقْرِضْهُ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. 9 احْتَرِزْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلبِكَ كَلامٌ لئِيمٌ قَائِلاً: قَدْ قَرُبَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ سَنَةُ الإِبْرَاءِ وَتَسُوءُ عَيْنُكَ بِأَخِيكَ الفَقِيرِ وَلا تُعْطِيهِ فَيَصْرُخَ عَليْكَ إِلى الرَّبِّ فَتَكُونُ عَليْكَ خَطِيَّةٌ...11 .. افْتَحْ يَدَكَ لأَخِيكَ المِسْكِينِ وَالفَقِيرِ فِي أَرْضِكَ." تثنية 15.
مثال عن الاشتراكية في العهد الجديد:
" 34 إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجاً لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ 35 وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ." أعمال 4.
لكن هو نظام اشتراكي طوعي، وليس قمعي كالشيوعية والاشتراكية الماركسية:
انتبه للعبارات في نص تثنية 15 "احْتَرِزْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ قَلبِكَ كَلامٌ" "فَيَصْرُخَ عَليْكَ إِلى الرَّبِّ فَتَكُونُ عَليْكَ خَطِيَّةٌ." أي أنه ليس إجباري، لكن قانون أخلاقي يجب أن ينبع من القلب!
وأيضًا يقول بطرس لحنانيَّا، عن الحقل الذي باعه: "4 أَلَيْسَ وَهُوَ بَاقٍ كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَلَمَّا بِيعَ أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟.." (أعمال 5).
فيأتي الشيطان ويجعله نظامًا قمعيًا، يسلب به الأغنياء، ويَدَّعي أنه يعطي المصادر للفقراء. ويأتي لاهوت التحرير، يظن أن المقاومة والحراك (الكتابي بحسب رأيهم)، الذي يوفر "العدل" للفقير، هو سيحل المشكلة!! لا، لأن عدالة الله قائمة على حب الله من كل الكيان، وحب الإنسان الذي خلقه الله. فيحث الناس للاعتناء بعضهم ببعض، وهذا هو أعظم نظام اقتصادي، ومتناغم مع الكتاب المقدس القائم على ملكوت المسيح. والذي هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية الأقرب لقلب الله، في ظل العالم الفاسد. تغيير قلوب الناس، عن طريق توبتهم وإيمانهم بضرورة مساعدة غيرهم!

(5) الفرق بين مواجهة العدل كموقف كنسي رسمي، وكموقف للمؤمن كفرد:
إن أهم شيء نحتاج أن نحدده، هو الفرق بين دور الكنيسة كؤسسة إلهية على الأرض، ودور المؤمن كفرد.
الكنيسة: دوربه هو تمكين المؤمنين روحيًا وحياتيًا، ليشابهوا صورة المسيح:
ومن ضمن هذا، هو مساعدة المؤمنين ليكونوا جاهزين ومهيَّئين للعمل الصالح الذي يدعوهم له الرب، في كل زمان، مكان ومجال:
"17 لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِح" 2 تيموثاوس 3: 17.
المؤمن: هو خادم للمسيح في المكان الذي يعمل فيه!
"أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ... لأَنَّكُمْ تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ" (كولوسي 3: 22 و24)
ألآية السابقة، تؤكد أن كل مؤمن، في مكان عمله الذي وضعه به الرب، يخدم المسيح فيه. فعندما يعمل المؤمن في مطعم مثلا، هو يخدم الرب في ذلك العمل. لكن هذا لا يعني أن مسؤولية الكنيسة هي فتح مطاعم!! وبنفس القياس، الكنيسة ليست مسؤوليتها عمل تغييرًا سياسيًا، بل ممكن أن تكون هذه دعوة فردية لأناس مؤمنين معينين يدعوهم الله في هذا المجال. فالله لا يترك نفسه بلا شاهد (أعمال 14: 17)؛ فمن هؤلاء المؤمنين الذين عملوا في السياسة: دانيال والفتية الثلاثة، مردخاي، نحميا، قائد المئة، كرنيليوس... إلخ. هذا هو أحد أكبر جوانب الاختلاط الذي عمله لاهوت التحرير للأسف – خلط ما بين الدعوة الفردية ودعوة الكنيسة العامة كمؤسسة المسيح على الأرض! وهي تجهيز مؤمنين لهم علاقة صحية مع الله، مستعدين لكل عمل صالح يدعوهم له الروح القدس، وفي كل زمان، مكان ومجال. والمؤمنين كأفراد، ممكن أن يدعوهم الرب للعمل السياسي، الحقوقي، الإنساني، التعليمي، وفي كل مجال آخر. ويجب أن يكونوا أمناء في هذه الدعوة، ويحاربوا لأجل حقوق المقهورين والسعي نحن العدالة الأرضية والمساواة لهم... إلخ.
والكنيسة، التي هي ممثلة لله على الأرض؛ ممكن أن تنادي بمبادئ كتابية في المجتمع الذي تعيش فيه. ليس الدعوة لأجل العدالة (لأن مفهومها الحقيقي كتابيًا، لن يفهمه المجمتع، كما قلنا!) بل الدعوة لقيم كتابية نافعة للمجتمع: مثل الدعوة للمساواة بين الناس في كل المجالات (مثل حرية تحول المسلم للمسيحية)، عدم قهر المرأة، مساندة المهمشين مجتمعيًا، تحقيق الخدمات لجميع المواطنين دون تحيز، أخذ الحكومات بخيار السلم بدل الحرب، بث ثقافة التسامح بدل التعصب والكراهية، توبيخ ثقافة التكفير والدينونة...إلخ. دون أن تعطي حلولًا سياسية، أو تأخذ مواقفًا سياسية.

(يتبع في المقال القادم بعنوان: "عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (2)")

دراسة لغوية لكلمات العدل المختلفة:

المصطلحات العبرية لكلمات تخص العدل، في العهد القديم:
(1) كلمة "צֶדֶק" "صِيدِكْ" تترجم في الفاندايك بثلاث كلمات: الحق، العدل، والبر: 
"اقْضُوا بِالْحَقِّ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَأَخِيهِ وَنَزِيلِهِ" تثنية 1: 16.
"الْعَدْلَ الْعَدْلَ تَتَّبعُ، لِكَيْ تَحْيَا وَتَمْتَلِكَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ" تثنية 16: 20.
"هُنَاكَ يَذْبَحْانِ ذَبَائِحَ الْبِرِّ" تثنية 33: 19.
(2) كلمة "מִּשְׁפָּט" "مِشبَاط" تترجم من ترجمة الفاندايك أيضًا بثلاث كلمات:
الحكم، القانون، القضاء (وهي أحد الأركان العشرة لكلمة الله، التي نراها في مزمور 119).
"8 قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ (מִּשְׁפָּט) وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ" ميخا 6.

المصطلحات اليونانية لكلمات تخص العدل، في العهد الجديد:
وتتفرق لمجموعتين:
(1) كلمات موازية لكلمة العهد القديم: "צֶדֶק" "صِيدِكْ".
(2)  وكلمة موازية لكلمة العهد القديم: "מִּשְׁפָּט" "مِشبَاط".

(1) كلمة "צֶדֶק صِيدِكْ"، موازية لثلاث كلمات في اليونانية، وهي كما يلي:
الأولى: "Δικαιοσύνη" "ذيكايوسوني"؛ البر، الحق، بر الله (اسم، مؤنث، مفرد،  الرقم في قاموس سترونغ 1343)؛ تكرر 92 مرة بثلاث صيغ: 
تعني البر "هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ" متى 3: 15.
"6 طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ... 10 طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ.. 20.. إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ..." متى 5.
"1 اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ (بركم) قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ.. 33 لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ"  متى 6.
"32 لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ.." متى 21.
"74.. نعبده 75 بِقَدَاسَةٍ وَبِرّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا.." لوقا 1.
"8 وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ... 10 وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا"
17 لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»." رومية 1.
"29 إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" 1 يوحنا 2.
الثانية: "δίκαιος" "ذيكايوس" (صفة اسمية، مذكر مفرد، الرقم في قاموس سترونغ 1342)؛ تترجم بين كلمة "بار" و"عادل"، وردت 80 مرة، بثلاث عشر صيغة.
"19 فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا.." متى 1.
"45.. وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" متى 5.
"9 إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ .." 1 يوحنا 1.
الثالثة: "δικαίως" "ذيكايووس" (صفة الفعل، الرقم في قاموس سترونغ 1346) تترجم بين كلمتي: "بر" و"عدل"؛ ووردت فقط 5 مرات، وبصيغة واحدة:
"41 أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا.." لوقا 23.
"34 اُصْحُوا لِلْبِرِّ وَلاَ تُخْطِئُوا.. " 1 كورنثوس 15.
"10.. كَيْفَ بِطَهَارَةٍ وَبِبِرّ.." 1 تسالونيكي 2.
"12.. وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى" تيطس 2.
"23.. كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل.. " 1 بطرس 2.
كما نلاحظ من جميع الآيات السابقة، الاستبدال الدائم في الترجمة ما بين العدل والبر؛ فهما وجهان لعملة واحدة بلا انفصال.

(2) "Δίκη موازية لكلمة "מִּשְׁפָּט مِشْبَاط" (اسم، مؤنث، مفرد، الرقم في قاموس سترونغ 1349): 
وردت ثلاث مرات فقط في العهد الجديد. وترجمت بثلاث كلمات: قضاء، حكم، عقاب 
"4.. لَمْ يَدَعْهُ الْعَدْلُ (الإلهي) يَحْيَا وَلَوْ نَجَا مِنَ الْبَحْرِ" أعمال 28.
"9 الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ" 2 تسالونيكي 1: 9.
"(عن سدوم وعمورة) جُعِلَتْ عِبْرَةً مُكَابِدَةً عِقَابَ نَارٍ أَبَدِيَّةٍ" يهوذا 7.

اقرأ أيضًا باقي السلسلة:  
عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (2)

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (3)

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (4)

القدس - 28/ 05/ 2025
باسم أدرنلي

 
 
3760 مشاهدة