عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (3)
لنتابع موضوع العدالة الاجتماعية والعدل، وكيف نتعامل معه ككنيسة وكمؤمنين أفراد.
كما قلنا في المقالين السابقين؛ من البديهي لنا كمسيحيين، الإدراك أن الكتاب المقدس هو المنهاج الوحيد للعدل. والسبب في طرح هذه المقالات، هو طرح المفاهيم الكتابية القويمة عن العدل، كما يراه الله. ومواجهة تفاسير مخالفة لمفاهيم آباء الكنيسة عن العدل؛ بدأت بالظهور في الأرض المقدسة في العقود الأخيرة. سنجد من خلال هذا المقال، متابعة لعدة أساسات روحية عن العدل. إذا فهمناها لن نضل أبدًا ولن نقع في أي تفاسير خاطئة متضارب مع كلمة الله وروح المسيح.
والهدف من هذه السلسلة كما قلنا، هو تثبيت التعاليم الصحيحة في قضية العدل؛ من جهة النظرة الكتابية للعدل والعدالة الاجتماعية، ودور الكنيسة والمؤمن في إعلانه. وأيضًا تحديد التعاليم غير الدقيقة عن العدل في تعاليم ما يُسمى بلاهوت التحرير الفلسطيني، أو اللاهوت الفلسطيني، أو اللاهوت في السياق الفلسطيني، (بحسب تطور هويته مع الوقت).
وطبعًا كما قلنا في المقال الأول؛ إن هذا اللاهوت، هو ليس لاهوت تحرير (كما يُعَرِّف العهد الجديد مفهوم الحرية)؛ وهو ليس فلسطيني، لأنه مستورد من أمريكا الجنوبية. بالمقابل، كل كلمة أكتبها في هذه المقالات، فلسطيننية من الألف للياء، ورائدة؛ فلا توجد فيها فكرة واحدة منها مستوردة أو منقولة، بخلاف اللاهوت "الفلسطيني". أما الجزء الفلسطيني الوحيد من هذا اللاهوت برأيي، هو المناداة السياسية الإنسانية بـ"العدل" للشعب الفلسطيني؛ لكنها مجر مناداة سياسية حقوقية أرضية، ولا مشكلة في هذا؛ لكن القضية المسيئة التي نريد أن نوضحها هنا، هي إلصاق الكتاب المقدس وتعاليمه بها! فكما سنرى من كل المقلات أنه ليس للكتاب المقدس والمسيح أي علاقة بهذه المناداة، بل هي حقوقية سياسية أرضية بحتة.
(9) المنصة الكتابية التي يُنادى بها في العدل:
أي لمن نوجه خطاب العدل والظلم؟ وماذا نقول للفئة المُخاطَبة؟
هل تخاطب الفلسطيني وتخبره بظلم إسرائيل؟ (كما يفعل مروجي اللاهوت الفلسطيني مثلا!)
أم تخاطب اليهود وتخبرهم بخطاياهم، وتخاطب الفلسطينيين وتخبرهم بخطاياهم؟؟
تخيل لو المسيح وقف أمام حشد فلسطيني اليوم، هل سيتكلم معه عن الاحتلال الإسرائيلي وظلم إسرائيل؟ أم سيقول له: "إن لم تتب تترك تدينك المسيحي الخالي من الإيمان وتتبعني، ستهلك... إن لم تترك ضلال إسلامك، تؤمن بي وتتبعني، ستهلك"! وأكبر مثال على هذا، هذه الشهادة:
"1 وَكَانَ حَاضِراً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَوْمٌ يُخْبِرُونَهُ عَنِ الْجَلِيلِيِّينَ الَّذِينَ خَلَطَ بِيلاَطُسُ دَمَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ. 2 فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمْ: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هَذَا؟ 3 كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ. بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ. 4 أَوْ أُولَئِكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟ 5 كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ»." لوقا 13.
لو حدث هذا الحدث أمام مروجي"العدل" من دعاة اللاهوت الفلسطيني؛ لكان خطابهم كالاتي:
"إن بيلاطس يرتكب جرائم إبادة جماعية، عقوبات جماعية، مجرم حرب.... يجب أن يوقف إجرامه حالاً.. إلخ".
ولصفق لهم العالم وطبل ومدحهم على هذا القول، لأنه وليد هذا العالم الجسدي الأرضي! لكن هذا خطاب لا يعكس طبيعة المسيح المُعلنة لنا في كتاب العهد الجديد. لذلك نرى العكس تمامًا من الآيات! المسيح يُحّوِّل الخطاب لنفس الناس الذين نقلوا له خبر هذه الفاجعة، قائلا، لهم:
".. بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ... بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ..".
ما هو رأي مروجي اللاهوت الفلسطيني في تصرف المسيح هذا!!؟ خاصة لأنهم يدعون أن الحراك لأجل "العدالة" (الأرضية طبعًا)، استلهموها "من حياة وتعاليم السيد المسيح" (السبيل)!!؟
أعتقد سيقولون للمسيح: "كيف تتجرأ أن تلوم الضحية على جرائم الاحتلال الروماني؟"!!
إن علاقتنا مع المسلم يجب أن يحكمها حب المسيح الذي يحذره بحب قائلا: "إن لم تتب وتقبل المسيح كمُنقِذ لك، ستهلك"!! وليس الاتحاد معه حول شركة الألم والظلم والشفقة على الذات والمواقف السياسية، التي أوقعها عليهم عدو مشترك – إسرائيل!! هل اتحاد دنيوي نافل كهذا يمكن أن يخدم ملكوت المسيح!؟ لست أعتقد. وطبعًا يجب أن نتعاطف مع كل المتألمين (رومية 12: 15)، ونهب لنجدتهم؛ لكن دون التغاضي عن خطاب المسيح الذي يدعوهم ليقبلوا يده المنقذة ويتوبوا! وهذا يقودنا للنقطة القادمة.
(10) خطاب "العدل"، سُم الشفقة على الذات، وتضاربهما مع شركة آلام المسيح!!
عندما يحمل جانب أساسي من خطاب اللاهوت الفلسطيني للمسيحي الفلسطيني، على انتهاكات إسرائيل وظلمها له. هذا لن يساعد شعبنا المسيحي في الأرض ليصمد في أرضه؛ بل يعزز في قلبه ووجدانه عقلية الضحية والشفقة على الذات!! وتعزيز الشفقة على الذات، مثل السم؛ الذي يتضارب مع كل مبادئ ملكوت المسيح!! ويخرب جسد المسيح، ويشل الكنيسة؛ وذلك لعدة أسباب:
الأول، عقلية الضحية، تُمَرْكِز المؤمن حول ذاته، وتخطف منه رؤية الملكوت!!
إن جميع تعاليم المسيح تتضارب كليًا - بل تدمر- أي ظل لعقلية الضحية والشفقة على الذات للمقهورين والمظلومين. لأن جميعها مبنية على إنكار الذات، وليس التمركز حول الذات!!
"39 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. 40 وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. 41 وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. 42 مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" متى 5.
(1) أين مواجهة الظلم والدعوة "للعدل" هنا في الآيات السابقة، بحسب خطاب اللاهوت الفلسطيني!؟
لماذا المسيح لم يدعو المؤمن ليقل لمن يضربه، توقف، هذا ظلم؟
تصور أن يخاطب المسيح مؤمنين من دعاة اللاهوت الفلسطيني اليوم، في سياقنا الفلسطيني، ويقول لهم: "إذا أراد مستوطن يهودي أن يقتلع شجرة زيتون من أرضِك، فاعرض عليه أن يقتلع أخرى أيضًا"! ربما سيطردونه من المكان حالاً!! فهي تعاليم معاكسة تمامًا لما يعلمونه عن مواجهة الظلم والدعوة "للعدل".
(2) هذه الآيات تطرد عقلية الضحية للإنسان المؤمن المظلوم كليًّا!
لماذا؟ لأن المسيح من خلالها، ينقل انحصار رؤية المؤمن حول ذاته كضحية؛ ويركز أنظاره على خدمة الظالم والملكوت. فكأنه يقول للمؤمن بواسطة الآيات السابقة، شيء كهذا:
"أنت لست الضحية هنا؛ من يظلمك هو الضحية. أنت لست المسكين هنا، الخاطئ هو المسكين المقطوع من رحمة الله. لست أنت من يحتاج لرحمة الله عندما تُظلم، بل الذي يقهرك هو من يحتاج لرحمة الله أكثر منك! أرجو أن تنظر لمن يعاديك ويظلمك بمنظار الرحمة والشفقة عليه، إذا أردت أن تخدمني لتقدر أن تخدمه وتخدم شعبك المظلوم أيضًا"!!
ثانيًا، الشفقة على الذات، تعطل دعوتنا لاختبار شركة آلام المسيح:
المسيح علمنا أننا معرضين في هذا العالم الشرير أن نتألم لأجل اسمه:
"سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يوحنا 16: 2)
"لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ" (1 بطرس 2: 21).
فوحي العهد الجديد يعلمنا أن مشيئة الله في هذا الدهر، هي ليس إنهاء الألم؛ بل افتدائه: من آلام كنتيجة للتمر على الله (آلام آدم)؛ لآلام بسبب تبعيتنا لله (آلام المسيح):
"15 فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ. 16 وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ" 1 بطرس 4.
الوحي يعلمنا مبادئ جوهرية عن الألم، بحسب الآيات:
(1) في عدد 15، ينهانا عن "آلام آدم"، أي الألم بسبب أخطائنا وسلوكنا غير المستقيم، وهذا شيء مفهوم وبديهي.
(2) في عدد 16، أما عندما نسمح للرب أن يفتدي "آلام آدم"، يجعل كل ألم نختبره، ونحن سائرين مع المسيح، كشركة في آلام المسيح (وليس فقط الألم الذي نتعرض له بسبب إيماننا). أي يجب أن نعتبر أي آلام نمر فيها كمؤمنين، ألم مفدي، مبارك، له رسالة، لأنه شركة في آلام المسيح (فيلبي 3: 10).
(3) يمنحنا الوحي المفتاح الذي إذا فهمناه، نقدر أن نحقق غرض الله من خلال شركة آلام المسيح. وذلك في نفس رسالة بطرس الأولى، والأصحاح 5، وهو: يطرد كليًا الشفقة على الذات، في إطار حربنا مع الشيطان؛ الذي أحد أقوى أسلحته، هو خطاب الشفقة على الذات!! لذلك يقول:
" فَقَاوِمُوهُ (أي إبليس)، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ" (1 بطرس 5: 9).
الآية تظهر لنا أن خطاب إبليس لك، يقول لك: "أنت أكثر شخص يعاني في العالم؛ وشعبك الفلسطيني أكثر شخص عانى في التاريخ" (والاثنين خطأ!).
والله يقول لك بواسطة الآية العكس تمامًا: "إعلم أنك لست الوحيد المتألم في العالم، بل كل الناس تتألم؛ اثبت في الإيمان، وصدق وعود الله وسيادته، واشكر الرب، لتثبت، تتقوى وتنتصر"؛ كما يؤكد في الآية التي بعدها:
"وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ" (1 بطرس 5: 10).
نلاحظ تدخل الله، بحسب الكتاب المقدس، من الآية، يختصره الوحي بـ:"يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ"؛ هل دعاة اللاهوت الفلسطيني يقبلون منهاج هذا الوعد، الذي لا يشمل أي ذرة شيء يخص تغيير حالهم وإزالة الاحتلال وإنصافهم... إلخ!!؟
والذي يعزز خطاب الشفقة على الذات من الآية، هو إبليس عدو المسيح والملكوت؛ والخطاب الذي يشدد المؤمن المتألم على إنكار الذات والشكر والصمود الروحي الملكوتي، هو خطاب المسيح.
فنحتاج أن نعرف أن إلهنا حي، وللمسيح كل سلطان في السماء وعلى الأرض. وهو سائد على كل ما يحدث على الأرض. لذلك يريد أن يُخرجنا من التمركز حول ذاتنا، لنخدم الآخرين وملكوته السماوي. وعلى كل الأحوال، بالتأكيد لن يتمجد المسيح "بخدمة" التذمر والشفقة على الذات؛ بل بالإيمان العامل بالمحبة الإلهية التي تحذر الخاطئ وتدعوه للتوبة والإيمان بالمسيح؛ ويعلمنا أن نشكر الله في وسط الألم والظلم، ومن القلب! (غلاطية 5: 6 و1 تسالونيكي 5: 18).
فإذا أراد المسيح أن يخاطب الإنسان الفلسطيني غير المؤمن، الذي يروي له آلامه ومعاناته وكم هو مسكين ومظلوم، ماذا سيقول له؟
سيقول له: "تُب واطلب مني لكي أنقذك من الغرق في الخطية، الكراهية، والعنف، لئلا يكون لك أشر"!! كما قال المسيح للكسيح منذ 38 عامًا الذي شفاه، بكل صراحة (يوحنا 5: 14) (كما قلنا في نقطة 9)
وفعلا كان للفلسطيني أشر، في كل مرة حاول فيها البحث عن الحرية، عن طريق طرد اليهود من الأرض؛ منذ انتفاضة موسم النبي موسى، سنة 1920، وإلى اليوم. وذلك أيضًا بسبب تقاعس الكنيسة عن دعوة الشعبين للتوبة والإيمان بالمسيح!!
ثالثًا، هوس العدل الأرضي الزائف، هو أكبر مُحرك لهجرة المسيحيين!!
إن ترويج خطاب الشفقة على الذات والتمركز حول "العدل" من المنبر المسيحي؛ هو أحد العوامل التي ساهمت في زيادة هجرة المسيحيين من الأرض برأيي. لأن أحد أعمدة تعاليم خطاب اللاهوت الفلسطيني للمؤمن الفلسطيني، هو السعي لتحقيق العدل وإزالة الظلم. فهم بشكل مباشر وغير مباشر، يقولون له ليلاً ونهارًا أنه مظلوم، مقهور، ولا حل للخروج من هذه الحالة، سوى إزالة الظلم بطرق "كتابية" على حد تعبيرهم!!! فكيف سيشعر الإنسان المسيحي من ناحية نفسية ووجدانية، إن لم يتحقق العدل ويزال الظلم؟ بل ماذا سيفعل وكيف سيشعر إذا سارت حالته من سَيِّء إلى أسوأ؛ كما حدث في آخر 106 سنين!!؟ سَيُبْتًلى باليأس والإحباط والمرارة وسيهاجر طبعًا، إذا سنحت له الفرصة لذلك.
أما عندما يتعلم المسيحي أن يثبت في علاقته بالمسيح في وسط التحديات والاضطهادات والآلام؛ ويدرك أن المسيح وضع له خطة مباركة يريد أن يتمجد بها وسط الآلام والضيقات! فالإيمان المسيحي الحقيقي هذا، لا يقدر أن يقف في وجهه أي ضيق أو ظلم مهما كان؛ وحتى أبواب الجحيم لن تقوى عليه. لذلك نجد الألم والاضطهاد يحفز ويلهم المسيحيين عبر كل العصور على نشر بشارة الإنجيل أكثر وأكثر. عندها فقط، يقدر بكل إيمان أن يعلن بانتصار، ما أعلنه بولس الرسول، شيخ المتألمين والمظلومين، ويقول:
"حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ" (فيلبي 1: 20).
(11) كيف نخدم شعبنا المتألم، عندما يكون صراعه مستمرًا وطويلاً؟
إن لاهوت التحرير الفلسطيني، يشدد على رفض الظلم والألم، بل يشدد على أهمية السعي لإزالة الظلم والألم بطرق سلمية وكتابية، على حد تعابيره. لكن رُبَّ سائلٍ، لمَ لا؟ من منا كبشر عاقلين يريد أن يعيش في الظلم والألم؟
الجواب هو أنه من الطبيعي أن نفعل أمرين بوجه الظلم؛ نصلي ضد الألم والاضطهاد، ونعمل ما بوسعنا لتجنبه، والنجاة منه. فالمسيح أوصى تلاميذه بهذا، قائلا: "وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى" (متى 10: 23). لكن وحي العهد الجديد يعلمنا أننا نعيش في عالم يسود عليه الظلم والألم. وأيضًا الشيطان، هو رئيس هذا العالم؛ لذلك سيحارب المؤمنين بالمسيح على الدوام. فيجب ألا نحاول ترقيع هذا العالم الفاسد، بل نتعلم كيف نتعامل مع ظلمه، بشكل يمجد المسيح وينشر بشارة ملكوته، الذي لأجله دُعينا. وذلك إذا حققنا الآتي:
أولا: عندما تتعزى الكنيسة في الرب، تقدر أن تعزي شعبها:
هذا كلام علمي يُعَلَّم في الجامعات عن الذين يمرون في صدمة Trauma؛ يأخذ خروجهم منها وعلاجهم أربع مراحل. المرحلة الرابعة التي تُظْهِر أفضل الحالات، لمن يمر في صدمة نفسية؛ هي مواجه اختباره المؤلم، وجعل الاختبار الصعب الذي يحاول الهروب منه ومن ذِاكراه؛ جزءًا من رواية حياته، لمساعدة غيره. لكن وحي العهد الجديد سبق وعلمنا نفس هذه الحقيقة العلمية، قائلا:
"3 مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، 4 الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ" 2 كورنثوس 1.
عدد 3، وصف أبونا السماوي بـ"أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ"؛ يؤكد أن التعزية نجدها فقط بحضور الله في حياتنا. لن تحدث التعزية عن طريق "العدل" الأرضي، ولا تغيير الظروف السياسية، بل فقط بالسلام الداخلي لكل من يتبع المسيح.
عدد 4، يقول أمور عديدة:
"الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا":
أولا: الوحي يعدنا بأن أبونا السماوي سيعزينا في كل ضيق ممكن أن نختبره. والضيقات من ناحية كتابية، هم ثلاثة أنواع رئيسية: (1) ضيق بسبب الخطية (2) ضيق بسبب تبعية المسيح (اضطهاد) (3) وضيق عام يحل على الجميع، في إطار هذا العالم الفاسد والمتقلب: (كوارث طبيعية، أوبئة، حروب، مجاعات، أوجاع في أجسادنا الهزيلة... إلخ.
لكن أبونا السماوي يعزينا في كل نوع ضيق نمر به، عندما نأتي للمسيح مصلين تائبين مُسَلِّمين له أنفسنا ومشاكلنا وآلامنا. المسيح وحده قادر على افتداء الألم، وجعله ألم يمجده، ألم له معنى ورسالة (كما رأينا في النقطة السابقة).
ثانيًا: وعد الله لنا بحسب جزئية الآية، هو بالتعزية ونحن سائرين في طريق الضيق؛ وليس بحل مشاكل الضيق. وهذا معاكس لخطاب لاهوت التحرير الفلسطيني؛ حيث يربط بطريقة غير مباشرة التعزية، بتغيير وزوال مسبب الضيق - الاحتلال!! وماذا عن ألم الناس في سوريا ولبنان والعراق؛ حيث لا يوجد عندهم احتلال هناك!؟؟ وماذا عن دول فيها "عدالة اجتماعية" بحسب مفاهيم اللاهوت الفلسطيني، كأوروبا؟ لكن يسود عليها الإلحاد، ونائمة روحيًا وبعيدة عن الله!!؟ فما النفع الملكوتي من هذه "العدالة"؟ لذلك، حتى لو زال الاحتلال فعلا، الألم لن ينتهي؛ بل سيظل غير مفدي، وستستمر نفس الإنسان في حالة المرارة والألم!
"بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ"؛ هذه الجزئية من الآية، تظهر أن رسالتنا للعالم المتألم، هي نفس التعزية التي يعزينا بها الله وسط الضيقات. فيصبح وادي آلامنا، صرحَ عزاءًا للذين يمرون في نفس التجارب المؤلمة. كالسوريين، العراقيين، اللبنانيين، السودانيين...إلخ؛ كونك كفلسطيني نلت عزاءًا وقوةً من أبيك السماوي، تقدر أن تعزي بها شعوب متألمة حولك!! لا تجعل التعاليم الزائفة تخطف منك هذه البركة والدعوة.
ثانيًا، هل نتعامل مع صدمة نفسية Trauma عابرة، أم حالة دائمة!!؟
لخدمة شخص أو شعب يمر في حالة صدمة نفسية؛ يجب التعامل معه بحذر وعناية، حتى يخرج من تأثير الصدمة ويواجه واقع الحياة من جديد. قبل الخروج من الصدمة، صعب أن تواجه الشخص أو الشخص بأخطائه وإهماله. هذا يأتي بعد خروجه من تأثير هذه الصدمة. لكن في النهاية، كنتيجة لهذه الصدمة إذا خلفت واقع أليم ودائم؛ يجب أن نعمل معه العكس تمامًا. حثه على تحمل مسؤولية أعماله وحياته، وأن يتعايش مع الحالة السياسية والمعيشية الجديدة الصعبة، التي فُرضَت عليه بعد الصدمة (خسارة حرب 1948 و1967).
فمثلا شخص عمل حادثًا، وفقد رجليه كنتيجة لهذا الحادث. يجب معاملته معاملة خاصة، وحمله على الأذرع، والعناية به إلى أبعد الحدود، جسديًا ونفسيًا... إلخ؛ إلى أن نخرجه من تأثير الصدمة. بعدها يجب أن يتعلم كيف يعول نفسه ويعتمد على نفسِه في تدبير شؤونه في الحالة الجديدة الصعبة التي أصبحت دائمة في حياته. هذا أفضل له، من الاستمرار في تدليله وإبقاءه في حالة الشفقة على الذات والحاجة إلى مساعدتك وحملك له المستمر!!
أحد مشاكل اللاهوت الفلسطيني، هو أنه يظن أنه يجب أن يستمر في التعامل مع الشعب الفلسطيني على أساس أنه في صدمة Trauma، مستمرة منذ قرابة ثمانين عامًا!!! ليس من المقبول أن تواجهه بفساده وشره؛ لأنه مظلوم، ومسكين!! بل يجب أن تُدَلِّهُ وتحمله على الأذرع، وتتستر عن أخطائه كونه ضحية، فكيف تلوم الضحية بدلا من إلقاء كل اللوم على "المجرم" (إسرائيل)!!؟ وهو نهج ماركسي (كما قلنا في المقال الأول، رقم 2). لكن بالرغم من أن حالته لا زالت صعبة، والتواجه مع حالة الاحتلال مُوْجعْ وبشكل مستمر. لكن بعد ثماني عقود من الزمان، أليس من الأفضل نفسيًا أن نحاول إخراجه من حالة الشفقة على الذات، وتعليمه أن حالته هذه، بكل صعوبتها، أصحبت حالة دائمة؛ فيجب أن يتحمل المسؤولية، يتعامل مع أخطائه، يتعاطى معها، يتعايش مع اليهودي، وينجح في وسطها!! يجب أيضًا تعليمه أن يتوقف عن استخدام شماعة "الاحتلال"؛ التي أيضًا للأسف قادة كنائس يستخدمونها لتبرير سبب هجرة المسيحيين وتناقصهم من الأرض. بدلا من تحمل المسؤولية والتوبة والسعي لتثبيتهم في إيمانهم في ظل هذه الحالة الدائمة. وهي دعوة كتابية، فالوحي يدعو كل من آمن وهو عبد مثلا، ألا يعيش مهمومًا (1 كورنثوس 7: 21-24). هذه الآيات تغطى مبادئ كل الحالة التي نعيش بها كفلسطينيين.
الشطر الأول من عدد 21 "دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ":
يحثك الوحي ألا تكون مهمومًا، كونك وجدت نفسك في الإيمان المسيحي وأنت عبد، أي مُستعبد لدى الناس!! طالما أنت ابن للمسيح، فأنت حر (عدد 22). ومن يحاول أن يقاوم حالته هذه؛ هو الذي يجعل نفسه مُستعبدًا للناس، العالم، وسياسيات العالم؛ ويُخرِج نفسه من الحرية التي في المسيح يسوع (عدد 23).
الشطر الثاني من عدد 21 " بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرًّا فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِيِّ":
ويحث الوحي المؤمن بان يثق بالرب الذي له كل سلطان في السماء وعلى الأرض؛ وهو قادر أن يغير الأزمنة والأوقات الروحية والسياسية؛ يعزل ويقيم أنظمة وقادة، إذا وثقنا به. فممكن يفتح فرصة لذلك الشخص أو الشعب لأن يتحرر من العبودية والاحتلال، يجب أن يقبلها؛ لكي يعود المجد في النهاية للمسيح وحده، وامتداد ملكوته.
(نكمل في المقالات القادمة)
اقرأ أيضًا باقي السلسلة:
عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (1)
عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (2)
القدس - 07/ 03/ 2026
باسم أدرنلي