كنيسة بلا جدران

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (4)

لنتابع موضوع العدالة الاجتماعية والعدل، وكيف نتعامل معه ككنيسة وكمؤمنين أفراد.
إن الهدف من هذه السلسلة كما قلنا، هو تثبيت التعاليم الصحيحة في قضية العدل؛ من جهة النظرة الكتابية للعدل والعدالة الاجتماعية، ودور الكنيسة والمؤمن في إعلانه. وأيضًا تحديد التعاليم غير الدقيقة عن العدل في تعاليم ما يُسمى بلاهوت التحرير الفلسطيني، أو اللاهوت الفلسطيني، أو اللاهوت في السياق الفلسطيني، (بحسب تطور هويته مع الوقت).
وطبعًا كما قلنا في المقال الأول؛ إن هذا اللاهوت، هو ليس لاهوت تحرير (كما يُعَرِّف العهد الجديد مفهوم الحرية)؛ وهو ليس فلسطيني، لأنه مستورد من أمريكا الجنوبية. بالمقابل، كل جملة مكتوبة في هذه المقالات، فلسطينية من الألف للياء، ورائدة؛ فلا توجد فيها فكرة واحدة منها مستوردة أو منقولة، بخلاف اللاهوت "الفلسطيني". 
لنتابع نقاط إضافية عن العدل والمناداة به، بين رأي آباء الكنيسة، ولاهوت التحرير الفلسطيني:

(12) هل الله يقف مع المظلوم؟ أم مع مَنْ يتقيه ويتبعه بأمانه؟
العنوان يعكس أحد المفاهيم غير الدقيقة التي يروجها اللاهوت الفلسطيني. حيث يعلمون أن الله يأخذ أطراف في النزعات (خطأ أول)، فيقف مع "المظلوم" والمسكين والمقهور (خطأ ثانٍ)؛ ويقف ضد "الظالم" (خطأ ثالث). وطبعًا نرى في الجملة السابقة، كلمات الظالم والمظلوم بين علامات الاقتباس ""؛ لأن دعاة لاهوت التحرير الفلسطيني قد قضوا وحكموا على الطرفين بهذا؛ مخالفين لأحد أهم وصايا المسيح: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (متى 7: 1). ضاربين عرض الحائط سيرة المسيح الحقيقية، الذي استلهموا منه المناداة بالعدل (بحسب ادعاء مؤسسة السبيل)؛ الذي حتى لم يقبل أن يحكم بين رجلين متنازعين على الميراث (لوقا 12: 13-14)!!!! والهدف من إساءة استخدام الآيات كتابية؛ بأن الله، من ناحية لاهوتية، يقف مع المقهور والمظلوم؛ هو سياسي بحت. الهدف هو ترويج خرافة أن الله واقف مع الفلسطينيين، لأنهم "مظلومون"؛ وضد إسرائيل، لأنها "ظالمة". لذلك تجدهم يَحِثُّون كل مؤمن "حقيقي"، على حد تعبيرهم؛ أن يقف مع الفلسطينيين، لأنهم مظلومين. وكما قلنا سابقًا، هو نهج لاهوتي مطابق تمامًا لنهج الفئة المتطرفة من المسيحية الصهيونية، أن الله واقف مع إسرائيل مهما عملت!! وذلك بسبب عهده مع آبائهم، فسيظل واقف معهم، لأنه اختارهم!! فكلا النهجين غير كتابيين، ويوظفوا آيات كتابية لبرهان مواقفهم "الكتابية"، التي هي سياسية. وطبعًا هذا لا يعني أن الفلسطينيين لا يواجهون ظلم من الاسرائيليين إطلاقًا. لكن الحكم بهذه الطريقة القطعية على صراع استمر أكثر من مئة عام، بأن أحدهم ظالم 100٪، والثاني مظلوم 100٪؛ بكل هوجائية واستخفاف بتعاليم المسيح، هذه هي المشكلة التي تحتاج تعديل للمفاهيم!! لذلك نقول:
أولا: الله لا يقف مع البشر، بل يدعو البشر ليكونوا معه: 
حتى عندما دعا الله شعبه إسرائيل للدخول للأرض المقدسة وهم شعبه الذي أنقذه من أرض مصر بعجائب عظيمة. قام بتعديل مفهوم "الله معهم"، لدى يشوع الصديق:
"13 وَحَدَثَ لَمَّا كَانَ يَشُوعُ عِنْدَ أَرِيحَا أَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ، وَإِذَا بِرَجُل وَاقِفٍ قُبَالَتَهُ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ بِيَدِهِ. فَسَارَ يَشُوعُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «هَلْ لَنَا أَنْتَ أَوْ لأَعدَائِنَا؟» 14 فَقَالَ: «كَلاَّ، بَلْ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الآنَ أَتَيْتُ» (לֹא, כִּי אֲנִי שַׂר-צְבָא-יְהוָה؛ الترجمة الأدق، "كلا لأني رئيس جند الرب"). فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: «بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ؟»" يشوع 5.
هذه الآيات صادمة بكل معنى الكلمة! ونحن نتكلم هنا عن شعب إسرائيل، شعب الرب، بعدما طهرهم الله وأفنى جيل كامل منهم بالبرية. وبعدما هيأهم روحيًا بخمس أشياء صارمة، أحدها هذا الموقف، قبل دخولهم للأرض. وهو الذي دعاهم ليدخلوا الأرض المقدسة، وأعلن أنه سيستخدمهم لإجراء قضاءً وعقابًا لشعوب أرض كنعان (بسبب عبادة الأوثان)، وسيعطيهم الأرض. ومع كل هذا، يُعلن ملاك الرب ليشوع، أنه ليس معهم ولا مع أعدائهم، "لأنه" رئيس جند الرب!!!!
فكيف يكون الله مع إسرائيل اليوم مهما فعلت!!؟ ومن الناحية الثانية، كيف يقف الله مع الفلسطينيين كونهم "مظلومون"، بحسب عدالة اللاهوت الفلسطيني!!؟ فكلا الشعبين أشرار ورافضين يد الله الممتدة لهم، بيسوع المسيح. وبناءً عليه، كل مؤمن حقيقي، يجب أن يكون ليست مع الفلسطيني ولا مع الإسرائيلي بموقف القضاء؛ بل بموقف الرحمة، الذي يحب الشعبين، ويريد الخير والخلاص للاثنين سيان.
ثانيًا، كيف نفهم قضية "الله معنا" إذًا، التي نراها في آيات كثيرة؟ 
آيات تؤكد أن الله معنا، مثل: تكوين 21: 22  وخروج 18: 19  وتثنية 20: 4  و1 صموئيل 10: 7  و1 أخبار 7: 2  إشعياء 8: 10  وزكريا 8: 23 ... إلخ.
مصطلح "الله معنا" يعني أننا سائرين معه؛ وهذا ما يوضحه نص يشوع 5 أعلاه بشكل ثاقب ودقيق؛ وأيضًا هذه الآية:
"2.. الرَّبُّ مَعَكُمْ مَا كُنْتُمْ مَعَهُ، وَإِنْ طَلَبْتُمُوهُ يُوجَدْ لَكُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَتْرُكْكُمْ" 2 أخبار 15.
فالله لا يقف مع بشر، بل يدعو البشر والشعوب لتسير معه، ليكون هو معهم. الله ليس مع الفلسطيني ولا مع الإسرائيلي من جهة القضاء؛ بل يدعو الشعبين ليتوبوا، يقبلوا يده الممتدة لهم من خلال المسيح؛ يدعوهم ليتبعوه، يسيروا معه، ويحبوا بعضهم البعض؛ ليكون هو معهم فعلا! والله يتدخل في الصراع بينهما، عن طريق إدارة شر صراعهم، والتحكم بنتائجه فقط؛ محترمًا الإرادة الحرة التي وهبهم إياها. بطريقة تؤول في النهاية للخير لصالح الشعبين من جهة ملكوته الأبدي وخلاصهم؛ لأنه يحبهما بنفس المستوى.
ثالثًا، وقوف الرحمة مع المسكين، ووقوف القضاء مع الأبرار!!
لنوضح معنى كل من الاثنين، ونوضحهما على حدا؛ بعدها سنطرح مشكلة الاختلال الذين ابتدعه دعاة اللاهوت الفلسطيني:
وقوف الرحمة:
وهو وقوف الله مع الإنسان المُستَضْعف الذي يحتاج لنعمة ورحمة الله. لأن الله رحيم ويحب كل البشر، فيشرق شمسه على الأشرار والصالحين (متى 5: 45). فكم بالحري الناس المطروحين والمستضعفين، الفقراء، الأيتام، الأرامل... إلخ.
"1 يَا رَبُّ، أَنْتَ إِلهِي أُعَظِّمُكَ... 4 لأَنَّكَ كُنْتَ حِصْنًا لِلْمِسْكِينِ، حِصْنًا لِلْبَائِسِ فِي ضِيقِهِ.." إشعياء 25.
"الرَّبُّ يَحْفَظُ الْغُرَبَاءَ. يَعْضُدُ الْيَتِيمَ وَالأَرْمَلَةَ، أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَيُعَوِّجُهُ" (المزامير 146: 9).
فهذا النوع من الوقوف هو وقوف عناية خاصة من الرب لحاجة المساكين؛ فيعطي نعمة أكبر للفئة المستضعفة: كالأرامي، الأيتام، والفقراء... إلخ. فأقصى وعد يقدمه الله للمستضعفين، هو إنقاذهم من شر الأشرار، في إطار رحمته:
"يُشْفِقُ عَلَى الْمَِسْكِينِ وَالْبَائِسِ، وَيُخَلِّصُ أَنْفُسَ الْفُقَرَاءِ" (المزامير 72: 13).
وقوف القضاء:
وهو يخص كلمة "מִּשְׁפָּט مِشْبَاط"، كما طرحنا في المقال الأول. وهو الحكم والقضاء؛ مثل قضاء المحكمة، للحكم بين طرفين متنازعين، كألله الديان. كان نظام المحكمة للحكم بين فئات متنازعة قائمًا في العهد القديم، في ظل الحكم الثيوقراطي (حكم الله على شعبه – شريعة موسى). أما في ظل العهد الجديد، فوردت هذه الكلمة ثلاث مرات، ومتوحدة على الله وقضائه فقط. فالحكم ليس لنا، نحن الذين نعيش تحت ظل شريعة "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (متى 7: 1). فقط الله وحده يقدر أن يحكم على البار والمظلوم والشرير!
إن اللاهوت الفلسطيني، خلط بين الاثنين؛ نعم الله يقف مع المسكين والمقهور. لكن وقوف رحمة وليس وقوف في القضاء. في القضاء الله يقف فقط مع الإنسان أو الشعب المتقي الرب، أي المؤمن بالمسيح كمُنقذ ورب على حياته في ظل مفهوم اليوم. فالله يقف وقوفَ قضاء ويحامي فقط عن الأتقياء والأبرار، الذين يحفظون طرقه ويطيعونه؛ ولا يقف مع المظلومين، الذين ممكن أن يكونوا أيضًا أشرار. وأعظم مثال على هذا، عندما الله أمر بأن يذهب شعبه إسرائيل للسبي، عقابًا له على خطية عبادة الأوثان والفساد؛ الله يعلن بنفسه أن شعبه مظلوم!!! 
"33 «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي يَهُوذَا مَعًا مَظْلُومُونَ، وَكُلُّ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ أَمْسَكُوهُمْ. أَبَوْا أَنْ يُطْلِقُوهُمْ. (لكن، الله يعد أنه عندما شعب إسرائيل يتوب عن شره، سيُنصِفَهُ) 34 وَلِيُّهُمْ قَوِيٌّ. رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ. يُقِيمُ دَعْوَاهُمْ لِكَيْ يُرِيحَ الأَرْضَ وَيُزْعِجَ سُكَّانَ بَابِلَ" إرميا 50.
لذلك لم ينجِّ الله شعبه من الظلم الذي وقع عليه من البابليين، إلا عندما تاب ورجع إليه. 
وطبعًا وقوف الله مع التقي، يشمل بالطبع وقوفه مع التقي المظلوم؛ وهذه حقيقة تشمل الكثير من الآيات أيضًا. والتي يجب ألا نسيء استخدامها الملازم لسياقها، ونحذر من خروج دعاة اللاهوت الفلسطيني عن سياقها. آيات مثل:
"6 اَلرَّبُّ مُجْرِي الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ لِجَمِيعِ الْمَظْلُومِينَ. 7 عَرَّفَ مُوسَى طُرُقَهُ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَفْعَالَهُ (أي هذا صحيح، في إطار حافظي شريعة موسى)" المزامير 103.
"5 طُوبَى لِمَنْ إِلهُ يَعْقُوبَ مُعِينُهُ، وَرَجَاؤُهُ عَلَى الرَّبِّ إِلهِهِ... (أحد النعم التي تحيط بالمؤمن، مَنْ إله يعقوب معينه، هي:) 7 الْمُجْرِي حُكْمًا لِلْمَظْلُومِينَ، الْمُعْطِي خُبْزًا لِلْجِيَاعِ. الرَّبُّ يُطْلِقُ الأَسْرَى" المزامير 146.
فأخذ هذه الآيات، خارج سياقها، ونسبها لكل "مظلوم" مهما كان، وحتى لو كان شريرًا؛ هو إساءة استخدام لكلمة الله وتوظيفها لأغراض سياسية!!
فإذا تريد أخي القارئ أن يقف الله مع الشعب الفلسطيني؟ أحييك على هذا التثقل؛ الطريق هو أن تبشره وتدعوه للتوبة أولا. لأن الله لم ولن يقف ولا مع الفلسطينيين ولا مع الاسرائيليين، إلا إذا تابوا وساروا معه وقبلوا يده الممتدة لهم بالمسيح يسوع. 
فعمل الله في وسط الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو فقط إدارة صراع بين شعبين أشرار، حيث يتحكم بحيثياته ونتائجه. وذلك ليتوافق مع خطة ملكوته الأبدي، لصالح الشعبين؛ لأن الله يحب كلاهما بشكل متساوٍ وله خطة لكليهما كاملة، وبلا أي أدنى عيب. 
إذا الله لا يقف مع المسكين والبائس وقوف قضاء، بل وقوف رحمة؛ وكفا خلط الأمور، وتوظيف النصوص الكتابية المقدسة لأغراض سياسية!
رابعًا، المؤمن والكنيسة يجب أن يقفا فقط مع الله:
بناء على ما تعلمناه عن موقف الله في الثلاث نقاط السابقة، يجب أن ندرك أننا يجب أن نأخذ فقط موقف الله، وننظر للطرفين بعيونه وقلبه فقط. إذا أردنا أن نخدم الشعبين بأفضل طريقة، نحتاج أن نلتصق بالله ونأخذ قلبه، فكره ومواقفه المُحِبَّة تجاه الشعبين المتمردين. انتشر مؤخرًا شعارًا بالانكليزية، كل فترة حرب غزة الأخيرة؛ أنه "يجب أن تقف على الجانب الصحيح من التاريخ"! والذي يعني بحسب رأي العالم؛ إما تقف مع إسرائيل، أو تقف مع الفلسطينيين (بحسب مَنْ القائل). والاثنين خطأ من جهتنا؛ إذا أردنا أن نقف على الجانب الصحيح من التاريخ، يجب أن نأخذ موقف المسيح، بحسب ما تعلمناه في النقاط الثلاث السابقة. وهذا يعني من ناحية عملية الآتي:
(1) ممكن أن نوبخ العمل الأثيم:
إذا طبقنا موقف الله في الثلاث نقاط السابقة؛ نستنتج أننا يجب ألا نحكم من مظلوم ومن ظالم؛ بل نحكم على جزئيات أفعال فقط؛ كما تُعلِّمنا كلمة الله:
"وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا" (أفسس 5: 11).
كلمة "وبخوها" في الآية، تعود للأعمال فقط؛ فنحن نقدر أن نحكم فقط على عمل طرف معين، أنه جيد، مقبول، خاطئ، مجرم... فقط! لا نقدر أن نحكم على طرف انه مظلوم، وعلى الآخر أنه ظالم؛ وكأن صراع دام أكثر من مئة عام، ممكن أن يُبت به بنمط أسود وأبيض!! ما هذه السطحية والاستهتار الفكري؛ وليس لدينا أصلا سلطان للدينونة!!
(2) نقف مع شعبنا وقوفًا إنسانيًا، وليس قضائيًا:
أي لا نحكم من صادق ومن كاذب، ومن ظالم ومن مظلوم. بل نقوم بمساعدة وإغاثة شعبنا، وتعزيته في ضيقته إنسانيًا؛ لأنه شعبنا، ونحن مسؤولون عليه ككنيسة وكأفراد، لأن الله أقامنا وسطه. أي مسؤولون لإغاثته في ضيقه، وأن ننبهه من شر أعماله وطرقه:
" فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يعقوب 5: 20).
"8 إِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: يَا شِرِّيرُ مَوْتًا تَمُوتُ. فَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ لِتُحَذِّرَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ، فَذلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ. 9 وَإِنْ حَذَّرْتَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ لِيَرْجعَ عَنْهُ، وَلَمْ يَرْجعْ عَنْ طَرِيقِهِ، فَهُوَ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ خَلَّصْتَ نَفْسَكَ" حزقيال 33.
لهذا يجب أن نُحَوِّل الخطاب لشعبي وذنوبه، وليس لذنوب الشعب الآخر (كما قلنا في المقال 3، والنقطة 9).
(3) نلعب دور الوسيط بين الشعبين المتنازعين:
ووقوفنا مع الله، يعني أننا ملتزمين للوقوف مع شعبنا كسفراء عن المسيح (2 كورنثوس 5: 18-20). وفحوى رسالتنا له، يجب أن يكون التصالح مع الله؛ أي إعطاء العدل تجاه الخالق: 
"إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2 كورنثوس 5: 20).
نحن نأخذ موقف الله، أي نكون صوت لله في وسط شعبنا، ليتوب عن خطاياه ويتصالح معه بالمسيح يسوع الذي نمثله. وأيضًا نقف مع شعبنا وقوفَ رحمةً، أي: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رومية 12: 15). وليس وقوف قضاء (كما قلنا في النقطة السابقة). وأيضًا نلعب دور الوسيط للمصالحة بين الشعبين المتنازعين؛ بشكل يقدم ملكوت المسيح للأمام للطرفين.

(12) تشويه تفسير عبارة "لا تقاوموا الشر"!!
قال المسيح: "38 سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ 39 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. 40 وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا 41 وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ." متى 5.
"19 لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. 20 فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ». 21 لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" رومية 12.
لقد قام دعاة اللاهوت الفلسطيني، بعمل دمج لاهوتي مُسيء لمفهوم الآيات، بين عبارتين من النصين السابقين، وهما، عبارة: "لا تقاوموا الشر"؛ وعبارة: "اغلب الشر بالخير". وأنتجوا من هذا الدمج مفهوم غريب، وهو أننا يجب أن نحارب الشر بالخير!! نرى هذا المفهوم في كتاب "مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني"، تحرير وتقديم منذر اسحق (ديار للنشر، بيت لحم، فلسطين، سنة 2017). حيث يطرح هذا المفهوم بإسهاب بطريرك القدس السابق للطائفة الكاثوليكية، مشيل الصباح؛ في وصفه للمقاومة السلمية، على أنها "مقاومة كل شر، وهي تقويم كل شر. وهي واجب على كل إنسان يواجه الشر الذي فيه والذي من حوله... من واجب كل إنسان مقاومة كل شر يمسه، في ذاته وفي غيره" (ص 143). ليس هناك مشكلة في مواجهة الشر في ذاتنا، والذي يمسنا (كما سنرى لاحقًا في النقطة الثالثة). أما من جهة عبارات مثل مواجهة الشر "مقاومة كل شر.. تقويم كل شر.. الذي من حوله" والذي "في غيره"؛ هذه الوصفة ممكن أن تأتي بويلات لاهوتية متضاربة مع تعاليم المسيح كليًا. ولاحقًا في نفس المقال، يقول أيضًا أن بولس قال "قاوموا الشر بالخير" (لقد أخطأ في الكتابة، فصاغها "قاوموا الخير بالشر"، وهي مؤكد غلطة بالكتابة). لكن أين قال بولس "قاوموا الشر بالخير"؟؟ قال "أغلب الشر بالخير"، آية رومية 12 أعلاه؛ فشتان بين قاوم الشر بالخير واغلب الشر بالخير. الأولى تدعوك للبحث عن الشر، لتقاومه، والثانية، تدعوك فقط أن تغلب الشر الذي يصيبك!!! وبعد هذا التحريف للآية تمامًا، يقول:
"المقاومة العنفية والسلمية تتفقان في المبدأ: مقاومة الاعتداء، أي الاحتلال، وتختلفان في الوسيلة" (ص 151)؛ وبعدها يطرح نماذج مارتن لوثر كنج ونلسون مانديلا (طبعًا اعتماده على أعمال بشر، ناتج عن عدم وجود أي نماذج كتابية يقتدي بها). لكن كما قلنا سابقًا في المقال الأول، ونقطة 5، لا مشكلة كتابية بحسب رأيي، عندما أخ مؤمن يدعوه الرب للعمل في المجال السياسي والحقوقي. المشكلة هي خلط دور الكنيسة كمؤسسة مقدسة أقامها المسيح، ودعوة المؤمن كفرد. فنرى في تعاليم هؤلاء، إسقاط دور سياسي على كنيسة المسيح الطاهرة، وتنجيسها بهذه الأفكار الخاطئة، وشلها عن تحقيق دعوة المسيح العليى لها (متى 28: 18-20 ومرقس 16: 15-18 وأعمال 1: 6-8). فجميع هذه الأفكار، تطرح مفاهيمًا خاطئةً كليًا، وذلك لعدة أسباب من سياق النصين الأساسيين أعلاه:
أولا، معنى مفهوم "لا تقاوموا الشر":
إن كلمة "تقاوموا" "أنثيسْتيمي"، وهي مترجمة بشكل دقيق في متى 5؛ يفسرها قاموس سترونغ بكلمات: تقاوم أو تعترض. وهي تؤكد أن كل فكرة الاعتراض على الظلم، التي يروجها دعاة اللاهوت الفلسطيني، غير كتابية. لكن لماذا ممنوع أن أقاوم أو أعترض على الشر؟ 
لأن الرب لا يريدني أن أركز وأفتش على الشر الذي حولي لأواجهه وأغيره؛ بل أركز على النور الذي في قلبي، وكيف أظهره للعالم:
"13 لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ (مسرة الله)... 15 لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ" فيليبي 2.
الآية لا تدعو المؤمن الذي يعيش وسط جيل معوَّجٍ وملتوٍ، "لكي يعدل سلوك الجيل المُعَوَّج"! بل يؤكد الوحي أن دورنا هو اختراق نور المسيح لقلوب الجيل المُعَوَّج، "تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ."
ثانيًا، دعينا أن نقاوم فقط إبليس، وليس الشر!
لذلك نرى نفس الكلمة متكررة في آيتين، تدعونا لمقاومة إبليس، عندما يحاربنا:
"فَاخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ" (يعقوب 4: 7).
"فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ.." (1 بطرس 5: 9).
إذا نحن نقاوم إبليس، لكن لا نقاوم الشر الذي في العالم. وذلك لسبب بسيط، العالم يسود عليه الشر أصلا (1 يوحنا 5: 19)؛ والمسيح لم يدعونا لترقيع شر العالم، بل دعانا لنشر نوره وملكوته الأبدي. لأنه سيأتي وقت، ويجدد المسيح كل شي، هذا دوره وليس دورنا نحن: "هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا" (رؤيا 21: 5).
ثالثًا، نقاوم، فقط في وقت التجربة!
طبعًا نصوص متى 5 ورومية 12 أعلاه، تظهر لنا أيضًا عدم البحث عن الشر أو حتى إبليس لنقاومه. بل نقاوم وقت التجربة عندما تُفرض علينا فقط. نرى هذا من عدة عبارات واضحة من النص:
متى 5: "من لطمك... من أراد أن يخاصمك... من سخرك..."؛ أي عندما فقط تجد نفسك بشكل شخصي، واقع تحت التجربة؛ يعطيك المسيح إرشاد ماذا تفعل. وهو ليس البحث عن الشر الذي حولك، حول شعبك، وتحاربه بأساليب "كتابية"؛ كما يروج دعاة اللاهوت الفلسطيني!
رومية 12 أيضًا: تحثنا فقط ألا ننتقم، ولا بطريقة عنيفة ولا بطريقة مسالمة! "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ". يعني عندما عدوك يحاول أن يؤذيك، يشتمك، يلعنك، يكيد ضدك مكائد... إلخ؛ لا تفعل شيء. تتحرك فقط، عندما يفتح لك الرب باب للرحمة: "إن جاع عدوك... إن عطش..". فحتى الآيات لا تدعوك أن تنادي بالعدل ولا تبكي وتندب وضعك؛ بل لتقديم الرحمة، عندما يُفتح لك الباب فقط!!! وهي تضرب كل تعاليم دعاة اللاهوت الفلسطيني عرض الحائط! وهي تدعو المؤمن عكس تمامًا روح تعاليم لاهوت التحرير الفلسطيني، التي تجعل ألمك هو المركز؛ أما هذه التعاليم، تجعل ملكوت الرب والرحمة لتغيير قلب الظالم، هي المركز. وطبعًا عندما أظلم، أتعلم من المسيح أن أتكلم مع الظالم؛ ليس بهدف تجريحي، بل لهدف دعوته للتفكير، ومراجعة طرقه، كما فعل يسوع:
"22 وَلَمَّا قَالَ هذَا لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفًا، قَائِلاً: «أَهكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟» 23 أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟»" يوحنا 18.
وكل تعاليمه التي تخص "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا.. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا.. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ" بناء على آية يوحنا 18، ممكن أن نعتبر أحد أهدافها تعاليم المسيح في الموعظة على الجبل أعلاه، هو فتح حوار مع المعتدي. عندما الاعتداء يقع عليْ أنا، بشكل شخصي؛ وليس أن أذهب وأبحث عن الانتهاكات لإسرائيل أو أي جهة ظالمة؛ وأواجهها، كما يدعي دعاة اللاهوت الفلسطيني! أما كدعوة فردية لمؤمن، ممكن أن يكون هذا عملاً مقبولاً؛ لكن هذا ليس دور الكنيسة ولا دور القسوس وقادة الكنائس إطلاقًا؛ ويجب تحديد وتوضيح الفصل.
رابعًا، تحليل لفكرة "مقاومة الشر" أو "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي":
إن مفهوم محاربة الشر بالخير أو حتى مقاومة الشر بالخير؛ يطرح تفسيرًا خاطئًا وغير كتابيًا؛ لأنه سيحرفنا عن أولوية ملكوت الله، لجعل مقاومة الشر هي هدف أساسي أعيش لأجله، وهذا خطأ، كما قلنا. لكن أيضًا نتعلم من الوحي، أن المقاومة، كما يعلمها الوحي، هي ليست للشر، بل للعدو!! والوحي يعلمنا أن عدونا الوحيد هو الشيطان (كما طرحنا سابقًا في آيات: يعقوب 4: 7 و1 بطرس 5: 9)؛ لذلك يقول لنا الوحي:
"11 الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ... 13 مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا" أفسس 6.
وهذا مفهوم العالم النافل من حيث المبدأ أيضًا؛ عندما تسمع الفلسطيني يقول "مقاومة الاحتلال" يقصد العدو، إسرائيل. وبقول قادة مسيحيين مثل مشيل صباح أعلاه " مقاومة الاعتداء، أي الاحتلال" (ص 151)، يغرس في قلب ووجدان الإنسان المؤمن، أن عدوه هو إسرائيل!! فهم، بشكل غير مباشر، كأنهم يتبون مفهوم العالم "للعدو"، ويسقطونه على الكتاب المقدس. عدوتنا ليست إسرائيل ولا الشر، بل الشيطان. لذلك يحثك الوحي أن تقاوم عدوك الشيطان؛ وعندما يجربك فقط، تثبت، وتغلبه، وتغلب شره. وحتى يريدك الرب أن تنتقم من الشيطان؛ عندما تتبنى فكر المسيح، الذي هو وحده القادر أن ينقض أعمال إبليس:
"4 إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. 5 هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ، 6 وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ" 2 كورنثوس 10.
طاعتي لمسيحي، هي التي تحرك السماء وتغير مصير الشعوب والدول؛ وليس ذراعي وحكمتي وتمييعي لرسالة الوحي المقدس!
(نكمل في المقال القادم)

اقرأ أيضًا باقي السلسلة:  
عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (1)

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (2)

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (3)

القدس - 14/ 03/ 2026٬
باسم أدرنلي

 
 
220 مشاهدة