كنيسة بلا جدران

عدالة اللاهوت الفلسطيني، والعدالة الكتابية (2)

لنتابع موضوع العدالة الاجتماعية والعدل، وكيف نتعامل معه ككنيسة وكمؤمنين أفراد.
كما قلنا في المقال السابق؛ من البديهي لنا كمسيحيين، الإدراك أن الكتاب المقدس هو المنهاج الوحيد للعدل. والسبب في طرح هذه المقالات، هو طرح المفاهيم الكتابية القويمة عن العدل، كما يراه الله. ومواجهة تفاسير مخالفة لمفاهيم آباء الكنيسة عن العدل؛ بدأت بالظهور في الأرض المقدسة في العقود الأخيرة. سنجد من خلال هذا المقال، متابعة لعدة أساسات روحية عن العدل. إذا فهمناها لن نضل أبدًا ولن نقع في أي تفاسير خاطئة متضارب مع كلمة الله وروح المسيح. 
والهدف من هذه السلسلة كما قلنا، هو تثبيت التعاليم الصحيحة في قضية العدل؛ من جهة النظرة الكتابية للعدل والعدالة الاجتماعية، ودور الكنيسة والمؤمن في إعلانه. وأيضًا تحديد التعاليم غير الدقيقة عن العدل من تعاليم ما يُسمى بلاهوت التحرير الفلسطيني، أو اللاهوت الفلسطيني، أو اللاهوت في السياق الفلسطيني، (بحسب تطور هويته مع الوقت).
وطبعًا كما قلنا في المقال السابق؛ إن هذا اللاهوت، هو ليس لاهوت تحرير (كما يُعَرِّف العهد الجديد مفهوم الحرية)؛ وهو ليس فلسطيني، لأنه مستورد من أمريكا الجنوبية. بالمقابل، كل كلمة أكتبها في هذه المقالات، فلسطيننية من الألف للياء، ورائدة؛ فلا توجد فيها فكرة واحدة منها مستوردة أو منقولة، بخلاف اللاهوت "الفلسطيني". أما الجزء الفلسطيني الوحيد من هذا اللاهوت برأيي، هو المناداة السياسية الإنسانية بـ"العدل"؛ لكنها مجر مناداة سياسية حقوقية أرضية، ليس للكتاب المقدس والمسيح أي علاقة بها.

(6) هل نظام مواجهة الأنبياء للحكام، في العهد القديم، صالح لعالمنا اليوم؟

كثيرًا ما يستشهد دعاة لاهوت التحرير الفلسطيني، بنموذج الأنبياء في العهد القديم (مع أن معظمهم لبراليين، من جهة نظرتهم الانتقائية للعهد القديم). كيف كان يواجه الأنبياء في العهد القديم الملوك والحكام بظلمهم وفسادهم وقهرهم للشعب! مثل مواجهة النبي إيليا للملك آخاب الذي سلب حقل نابوت اليزرعيلي، ومن ثم قتله (1 ملوك 21)؛ والنبي ناثان للملك داود (2 صموئيل 12: 1-13)... إلخ.
فأهم سؤال محوري مطروح هنا هو: 
هل هذا النمط من مواجهة الأنبياء للحكام، يصلح في السياق الفلسطيني!؟

فنظام مواجهة الأنبياء للملوك الظالمين في ظل العهد القديم، كان في إطار شعب الرب، المُتَوَقَّع من جميعه أن يتبع ناموس موسى والله! وليس هذا فقط، بل في بعض الحالات نرى الأنبياء وكهنة يعينون ملوكًا ليحكموا (كصموئيل، ناثان، إيليا، وصادوق الكاهن)!! واعتبارًا لهذه الحقيقة، ربما يصلح هذا اللاهوت أكثر بكثير، في دولة البيرو، التي استورد منها القس نعيم عتيق هذا اللاهوت؛ والتي نسبة المسيحيين فيها أكثر من 90٪. يعني في دولة مثل البيرو، يؤمن في الكتاب المقدس معظم القادة السياسيين المسيحيين، إن لم يكن كلهم. هو مجتمع فيه الكهنة والقسوس يُعتبرون آباء كل الشعب وقادته السياسيين أيضًا!! لكن كيف سيصلح هذا الاستنساخ في دولة نسبة المسيحيين فيها أقل من 2٪ - إسرائيل/ فلسطين؛ وأكثر من 98٪ منهم، يرفضون كتابك وإيمانك جُملةً وتفصيلاً!؟ 
لا يصلح هذا النموذج بشكل مُطلق في السياق الفلسطيني بحسب رأيي، إلا إذا تم تهجينه لحركة سياسية وحقوقية بحتة، لها صبغة مسيحية مشوهه! وللأسف، هذا ما أراه في اللاهوت الفلسطيني بحسب رأيي، مناداة سياسية عالمية أرضية، لها صبغة كتابية مشوهه!
فماذا نفعل إذًا؟ 
هل هناك نظام إلهي آخر في الكتاب المقدس، يمكن أن نتعلم منه لسياقنا الفلسطيني؟

طبعًا هناك؛ لمن يريد أن يتعلم، يقرأ، يفحص، يكون رائدًا وليس تابعًا وسائرًا وراء القطيع. هناك نظام آخر، ينقله لنا الوحي الشامل المُعجَزْ. أناس الله الذين عاشوا في ظل نظام وثني، يرفض إيمانهم، بل يحاربه. من أمثال عزرا، نحميا، دانيال، حننيا، ميشائيل، عزريا، مردخاي، أستير، حزقيال... إلخ. وأيضًا يوحنا المعمدان، المسيح وجميع الرسل والخدام في العهد الجديد... إلخ. جميع هؤلاء عاشوا في دول وثنية، ترفض إيمانهم. فاستدلال لاهوتيو التحرير الفلسطيني بنظام أنبياء العهد القديم، هو استدلال خاطئ، ولا يصلح للحالة أبدًا. بخلاف لاهوت التحرير الأصلي الذي استنسخوه من البيرو، بلا دراسة مُدَققِّة ولا فحص!!
الاستدلال بنظام جميع رجالات الله ونسائه الذي عاشوا في ظل دول وثنية، هو الاستدلال اللاهوتي الأسلم والموافق أكثر للحالة.
فهل جميع رجال ونساء الله السابقين، حاربوا لأجل "العدل" الأرضي، لهم ولغيرهم، كما يفعل دعاة لاهوت التحرير الفلسطيني؟ لا طبعًا؛ بل كان جهادهم منحصر فقط في إطار ملكوت الله. أي حافظوا على قداستهم وإيمانهم الحقيقي بالرب، عن طريق رفض إطاعة أي شيء مخالف له. ولم يدافعوا ولا مرة عن الظلم في حقهم، إلاًَّ في حالة خطورة إبادتهم فقط، أو تعطيل خدمتهم الملكوتية (كبولس). وكان الهدف من الحالتين، هو الحفاظ على استمرار خدمة ملكوت الله. وهذا ما فهمه الرسل وآباء الكنيسة تمامًا.
هل كان خطابهم يواجه ظلم الملوك والدولة الوثنية التي يعيشون بها؟ هل وضعوا أي ملومة على الدولة الوثنية لاحتلالهم، تدمير مدينتهم المقدسة وهيكلهم، وتهجيرهم من أرضهم؟ 
لا وألف لا؛ بل كان كل كلامهم وصلواتهم تعكس إعلان إلهي مؤمن بشكل مُطلق بسلطان الله وقدرته على إرجاعهم لأرضهم ورد حقهم (المطالبة بالعدل من الله، كما تنقل النقطة 8). فلن تجد أي آية واحدة فيها أي مواجهة لظلم النظام الحاكم، الذي عاشوا فيه. بل نقل خطابهم العكس تمامًا: توبة وانكسار، محاسب للذات وليس للظالم؛ ومؤسس على الإيمان بأن الله قادر أن يغير حالتهم، إذا تابوا ورجعوا إليه؛ مثلا:
" يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ" (دانيال 9: 8).
لم يكن خطابهم يختلق شماعات خارجة إن إطار ذاتهم، لفشلهم الروحي والاجتماعي ولهجرة وتفريغ الأرض من اليهود مثلا؛ ولا أي شيء مما نراه في خطاب دعاة اللاهوت الفلسطيني، المحاط بالبر الذاتي!!

(7) هل الله طرد شعب إسرائيل من الأرض بسبب الظلم!!؟

أيضًا كثيرًا ما يستشهد دعاة اللاهوت الفلسطيني بقضية مواجهدة الأنبياء لنظام الظلم والفساد في المجتمع والدولة بشكل عام. آيات مثل:
"28 سَمِنُوا. لَمَعُوا. أَيْضاً تَجَاوَزُوا فِي أُمُورِ الشَّرِّ. لَمْ يَقْضُوا فِي دَعْوَى الْيَتِيمِ. وَقَدْ نَجَحُوا. وَبِحَقِّ الْمَسَاكِينِ لَمْ يَقْضُوا." إرميا 5.
وآيات أخر كثيرة يستخدمها مروجي اللاهوت الفلسطيني، توبخ الطبقة الحاكمة على المظالم في وسط الشعب!! فمثلا القس منذر إسحاق، في كتيب نشر سنة 2017 بعنوان "نداء عيد الميلاد"، تتبعًا لذكرى مرور 100 عهام على وعد بلفور، يقول الآتي:
"لا توجد خطية في الكتاب المقدس مرتبطة بشكل مباشر بالطرد من الأرض أكثر من خطية الظلم الاجتماعي والاقتصادي" [1]
لكن للأسف، لا يستقرئ دعاة اللاهوت الفلسطيني النصوص جيدًا في شمول حالتها وسياقها! فهذا كلام غير دقيق نهائيًا. نعم الله يهمه سلوك شعبه وحفظهم لوصاياه كاملة، ليتجنب لعنات الله المذكورة في الشريعة، والتي أحدها طرده من الأرض (تثنية 28: 15-68). لكن الطرد من الأرض كان سببه الأساسي ليس الظلم، بل ترك الرب وعبادة الأوثان. لكن لنفهم الصورة أوضح، نقول:
أولا: إن هؤلاء الأنبياء كانوا يوبخون ملوكهم وحكامهم وليس قاهريهم! وبالتالي، يجب أن يكون 99٪ من توبيخ دعاة اللاهوت الفلسطيني في فلسطين، مُوجَّه لفساد السلطة الفلسطينية وحماس. كذلك مسيحيو إسرائيل؛ يجب أن يكون 99٪ من توبيخهم للسلطة الإسرائيلية. فإن كان هذا مخالف لما يحدث فعلا؛ تكون مناداتهم مسيئة للنصوص الكتابية، وتستخدمها بصورة غير سليمة!
ثانيًا: إذا دققنا في كل النصوص التي يواجه بها الأنبياء حالة الظلم التي في وسط الشعب؛ نجد أن الطرح الأساسي في رسالة الأنبياء، هو ليس الظلم المجتمعي أو الحكومي. بل كان الله دائمًا يطرح شقين معًا؛ واحد مبنى على الآخر، لا ينفصلان:
(1) المشكلة الأساسية - تركوا الرب (عدالة في حق الخالق).
(2) أعراض المشكلة - الظلم والفساد (عدالة في حق المخلوق).
فنجد قبل هذه الآية، من بداية إرسالية إرميا مثلا، كيف يشرح له الرب القضية الأساسية – وهي تركه؛ ومن بداية سفر إرميا:
"4 اِسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ عَشَائِرِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. 5 هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: [مَاذَا وَجَدَ فِيَّ آبَاؤُكُمْ مِنْ جَوْرٍ حَتَّى ابْتَعَدُوا عَنِّي وَسَارُوا وَرَاءَ الْبَاطِلِ وَصَارُوا بَاطِلاً؟ 6 وَلَمْ يَقُولُوا: أَيْنَ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ... 13 لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ آبَاراً آبَاراً مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً." إرميا 2.
لاحظ التدرج في الشر، بحسب تحليل الوحي في عدد 5: (1) ابْتَعَدُوا عَنِّي (عن عبادة الرب) (2) وَسَارُوا وَرَاءَ الْبَاطِلِ (3) وَصَارُوا بَاطِلاً (هنا تفشى الفساد والظلم والشر). وهي نفس ما طرحناه في المقال السابق.
فمفهوم المناداة بـ"العدل" فقط، نقطة (3)، دون التطرق لشر وفساد الشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي؛ ورفضهم لعبادة الله الحقيقية، من خلال رفضهم لخلاص المسيح وربوبيته. ستكون مناداة أرضية، لها صبغة مسيحية زائفة؛ تنادي بعدالة أرضية سياسية ليس لها أي علاقة بالرب. وأيضًا الادعاء بأن الظلم هو المحرك الأساسي لطرد الشعب من الأرض كما يقول القس إسحاق، هو غير دقيق نهائيًا؛ الله طرد شعبه من الأرض، بسبب الخطية الأساسية، وهي ترك الرب وعبادة الأوثان التي أدت لحالة الظلم. فكأن القس إسحاق يريد أن ينقل لك حُكُم في قضية شخص حَكَمَهُ القانون بحكم مؤبد، كنتيجة لقتل وسرقة. فيقول لك: "لا توجد جريمة في القانون مرتبطة بشكل مباشر بحكم المؤبد، أكثر من جريمة السرقة (مُغَيِّبًا جريمة القتل نهائيًا، وهي الأهم!)"!! هل هذا نقل لاهوتي أمين لما يعلمه الوحي عن حيثيات السبي الأول والثاني لشعب إسرائيل!!؟
لنسمع رأي الله في وحيه عن السبب لسبي يهوذا:
"3 وَأُوَكِّلُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، يَقُولُ الرَّبُّ: السَّيْفَ لِلْقَتْلِ، وَالْكِلاَبَ لِلسَّحْبِ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الأَرْضِ لِلأَكْلِ وَالإِهْلاَكِ. 4 وَأَدْفَعُهُمْ لِلْقَلَقِ فِي كُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ مِنْ أَجْلِ مَنَسَّى بْنِ حَزَقِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا، مِنْ أَجْلِ مَا صَنَعَ فِي أُورُشَلِيمَ" إرميا 15.
وما هي خطية الملك منسى بن يهوشافاط؟ هي عبادة الأوثان، خاصة وضع وثن في نفس هيكل الرب!!! راجع 2 ملوك 21: 1-16؛ لن تجد عبارة واحدة تتكلم عن الظلم في وسط الشعب بل كلها بسبب عبادة الأوثان.
وأيضًا يقول الله في 2 أخبار 33: 1-11، كلها تركز على عبادة الأوثان؛ ولا يوجد أي ذكر لأي ظلم في الشعب! 
إذا السبب الأساسي لطرد الشعب هو ترك الرب وعبادة الأوثان؛ وأعراض المشكلة، هو تفشي الظلم وسط الشعب. تغييب العدالة في حق الخالق، والتركيز فقط على العدالة في حق المخلوق؛ هذه إساءة لكلمة الله وتحريف لرسالة الأنبياء (كما قلنا في المقال السابق، نقطة 1).
لا يوجد مشكلة في المناداة لأجل العدل الأرضي لشعبنا الفلسطيني؛ طالما هو محصورة في شخص مؤمن مدعو للعمل السياسي والحقوقي، كما قلنا في المقال السابق. أو لا مشكلة إذا أسس مسيحيون حركة سياسية وسموها "حركة التحرير الفلسطينية" مثلا؛ دون ربطها في الكتاب المقدس والروحانيات الزائفة. أما قضية استخدام النصوص الكتابية لأغراض سياسية، هو بالضبط الذي يدعونه عن اللاهوت الصهيوني: "استخدام الكتاب المقدس لأغراض سياسية"!!؟ [2] ونحن نرى نفس المبدأ تمامًا مع اللاهوت الفلسطيني، فيه استغلال آيات الكتاب المقدس لتطويعها سياسيًا بطريقة معينة!! لذلك سأتكلم عن التشابه والتطابق بين اللاهوت الفلسطيني والمسيحية الصهيونية في أحد المقالات القادمة؛ وكيف أنهما من حيث المبدأ في التعامل مع الكتاب المقدس، متشابهان.
فالمشكلة تتعظم في أوجها، عندما يُعلَّم هؤلاء أن هذا ما كان المسيح سيفعله لو كان مكانهم! وإن كل مؤمن مدعو ليواجه "الظلم" وينادي بـ"العدل" السياسي الدنيوي النافل؛ هنا هي الكارثة، الذي يجب أن تُوَضَّح وتواجه لكيلا ينخدع فيها أي مؤمن!!

(8) الحق/العدل يُعطى ولا يُؤخذ ولا يُطالَب به:

العدالة الملتصقة بالبر، تجعل العدل والحق أساس مُعَدْ لتطبيقه على الذات، ولكي يُعطى للآخر؛ وغير قائم على المطالبة به من الآخر، كما يروج دعاة لاهوت التحرير:
"8 قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ" ميخا 6.
نلاحظ في الآية السابقة التي تطرح خلاصة إيمان المؤمن بالنظرة الإلهية، أن "تصنع الحق"؛ أي تطبقه على ذاتك أولا. ودعوة الآخر لتطبيق العدل، يجب أن تدار عن طريق الرحمة، وليس بالأمر واللغة الدَيَّانة. فالرحمة هي صفة، مرتبطة بما يقدمه المؤمن للآخر، وليس للذات!! إذًا الحق يبدأ أولا بتطبيقه على ذاتك؛ وتطبيقه أولا على ذاتك، يشمل أيضًا المناداة لشعبك بتطبيقه وليس الشعب الآخر! وهذا عكس طبيعة لاهوت التحرير الفلسطيني، القائم فقط على انتقاد إسرائيل والغرب.
أيضًا الكتاب المقدس لا يركز نهائيًا على شيء اسمه المطالبة بالعدل؛ هو من ناحلة فضيلة، إما يطلبها الله من الإنسان ليطبقها على ذاته وشعبه (عن طريق الأنبياء؛ وفقط في ظل حكم الله على شعب مقدس، كما قلنا)؛ أو يطلبه الإنسان من الله (عن طريق الصلاة لطلب تدخل الله في حالة الظلم السائدة). المسيح لم يعلمنا إطلاقًا بأن نطلب "العدل" من إنسان آخر أو من دولة أخرى محتلة!!
لذلك نرى أن البر المؤسس عليه العدل بعيون الله؛ يجعل الحق يُعطى ولا يُؤخذ! لننتبه للآيات القادمة:
"18 أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ.. 19 أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ.. 20 أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ.. 21 أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ.. 22 أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ.." كولوسي 3. وبعدها: "1 أَيُّهَا السَّادَةُ، قَدِّمُوا لِلْعَبِيدِ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ.." كولوسي 4.
نلاحظ عنصرًا متكررًا في كل الآيات السابقة؛ الله يطلب من كل طرف، أن يوفي العدل للآخر: "النساء.. الرجال.. الأولاد.. الآباء.. العبيد.. السادة"! جميعهم مدعوين أن يُوْفوا الحق الإلهي للآخر. لا يقول الوحي للرجل مثلا "يجب أن تخضع لك زوجتك"، كالديانات الزائفة! بل كل طرف يعلمه الله ماذا يجب أن يُوفي من الحق للآخر. من هنا أتى عنواني لهذه الجزئية: "الحق يُعطى ولا يُؤخذ"؛ لأنه فضيلة غير متمحورة حول الذات، بل مُنكرة للذات. وهذا لا ينسجم نهائيًا مع تعاليم دعاة "العدل" في لاهوت التحرير؛ حيث هو مؤسس فقط على المطالبة به من الآخر؛ والمبنى على تغيير كل العالم كله، مع عدا ذاتي وشعبي! فروح المسيح قائمٌ على نقد الذات وليس بر الذات.

لقد قمنا بطرح لمحة قصيرة فقط لإبراز كيف أن دعاة "العدل" من مروجي اللاهوت الفلسطيني، لا يروجون مفهومًا دقيقًا للعدل من ناحية كتابية. وطبعًا نحن لا ننكر آلام شعبنا وتشرده وفقدانه لأرضه وممتلكاته وآلامه على مر قرابة 8 عقود. نعيش ونختبر هذه المعاناة والألم الظلم، كل يوم. لكن سنرى في المقالات القادمة، كيف أن هذه المعاناة يشترك في مسؤوليتها جهات كثيرة جدًا، وأيضًا قرارات قيادات شعبنا وإسرائيل ودول أخرى معًا، وليس إسرائيل وحدها. لذلك سنتابع في المقالات القادمة أيضًا طرح موضوع العدل الكتابي، والاختلاف بينه وبين مفاهيم اللاهوت الفلسطيني.

القدس - 01/ 03/ 2026
باسم أدرنلي

[1] https://www.kairospalestine.ps/images/Christmas_Alert_Arabic_2017.pdf

[2] https://www.comeandsee.com/ar/post/1693511
 

181 مشاهدة