كنيسة بلا جدران

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (2) معنى "ابن الله"؟

لا يمكن أن نستكمل أي جملة من إنجيل يوحنا عن موضوع الثالوث، قبل أن نجيب على عدة أسئلة بخصوص كناية "ابن الله":
ما هو معنى تعبير "ابن الله" في وحي العهد الجديد؛ وبالأخص، بوحي إنجيل يوحنا؟
ماذا يعلمنا العهد القديم عن كناية "ابن الله" ومفهوم اليهود عنها؟ 
وأيضًا سنطرح ماذا يعني هذا الاصطلاح في العالم الوثني القديم؟ 
وأي نموذج ومفهوم لـ"ابن الله"، ادعاه القرآن عن المسيحية؛ وعلاقته بالمفاهيم الوثنية القديمة؟ 

أولاً، شرح كناية "ابن الله" من العهد الجديد:
إن العهد الجديد يطرح كناية "ابن الله" كوصف لشخص المسيح، وليست كحالة؛ أي لا يعني بها أن المسيح هو ابن الله بالمعنى الحرفي إطلاقًا.  بل يوضح لنا أنها كناية أو وصف، تعني ظهور الله للبشر بالصورة البشرية. 
دعنا نبدأ من بشارة الملاك لمريم أنها ستحمل بولد؛ فسألته، كيف تحمل وهي لم تعرف رجلاً:
"فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لوقا 1: 35).
نلاحظ من عبارة "يُدعى ابن الله"؛ أن هذا الاسم، هو لقب؛ ولا يعني أن المسيح هو ابن الله فعلاً. فلو كان المقصود أن الله اتخذ صاحبة، أي زوجة، وأنجب المسيح (كما يدعي مؤلف القرآن، والعياذ بالله)؛ عندها الوحي سيقول: "القدوس المولود منك هو ابن الله (أي هو فعلا ابن الله)" وليس "يُدعَى ابن الله (أي سيلقَّب بابن الله)." والمقصود بشكل واضح ساطع، يوضحه وحي سفر العبرانيين، عندما يقول عن شخصية المسيح أنه: "مُشَبَّهٌ بابن الله" (عبرانيين 7: 3). وهذه الآية توضح إن كناية ابن الله، هي تشبيه فقط. فعبرانيين 7: 3 تتلكم عن شخصية اسمها "ملكي صادق"، الذي قابل أبونا إبراهيم (تكوين 14: 18-20). ويؤكد المسيح أنه هو نفس ملكي صادق الذي قابل إبراهيم (يوحنا 8: 56-59). وهو نفس ملكي صادق المقصود به في مزمور 110 (راجع المزمور 110: 1، 4؛ وكيف نسبها المسيح لذاته، أنه هو ملكي صادق، رب داود!! في متى 22: 41-45). إذا الآية الكاملة تتكلم عن المسيح، أنه:
"بِلاَ أَبٍ (يعني أقنوم الآب ليس أبوه أصلا!!)، بِلاَ أُمٍّ (طبعًا القديسة العذراء مريم، ليست أمه كالله الابن، لأنه خالقها)، بِلاَ نَسَبٍ (ليس له نسب كالبشر؛ حيث الأنساب المذكورة، في متى 1 ولوقا 3، هما ليوسف ومريم). لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ (يعني هو ذات الله الأزلي الوجود). بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ" (العبرانيين 7: 3).
إذا تعبير "ابن الله"، بحسب الآية السابقة، هو تشبيه، كناية، وصف، يعني أنه حامل لطبيعة الله؛ وهو الله ذاته! وله معاني كثيرة، نختصرها بآيتين: 
* أقنوم الإبن، يُظهر جوهر الله ومجده؛ وهو ذراعه التنفيذية في الخليقة (راجع المقال 1): 
"2 كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ.. 3 الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ (أقنوم الكلمة التنفيذي لله)، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي (كذراع الله التنفيذي)" العبرانيين 1.
* وتعني كناية "ابن الله" أيضًا، أنه معادلاً لله؛ أي نفس ذات الله:
"18 فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ" يوحنا 5.
لننظر للآية السابقة من منظور علم التفسير، حيث فيها شيء فريد؛ حيث تنقل رأي الله في الأمر! بعض اللاهوتيين يسمون هذا الركن من الكتاب المقدس، بأقوال الراوي، أي الله. فالوحي ينقل أحداث وأقوال كثيرة، لكن المفسرين دائمًا يبحثون عن رأي الله في الأحداث والأقوال (راجع هذا المقال عن الموضوع). ورأي الله في كل شيء، هو الذي يبت في الوحي، ويعلمنا كل شيء عن الله، بشكل دقيق وصائب. فالآية السابقة لا تنقل لنا رأي اليهود في الموضوع؛ الذي ممكن أن يكون صحيحًا أو خطئًا؛ كقولهم عنه المسيح أن به شيطان مثلا (يوحنا 7: 20). بل تنقل هذه الآية بالذات، رأي الله ذاته؛ حيث يؤكد لنا الله معنى حقيقة قول المسيح أنه ابن الله - قصد به أنه معادلا لله، أي الله ذاته.
وهكذا شهد قادة اليهود أيضًا أمام بيلاطس؛ مما يعني أنهم فهموا جيدًا ماذا قصد المسيح بقوله أنه ابن الله، بأقصى درجات الدقة: 
"7 أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ»" يوحنا 19.
وكناية "ابن الله" هي ليست الكناية الوحيدة المجازية للمسيح؛ فهو دُعِيَ في وحي إنجيل يوحنا مثلا بـ: الحمل، ابن الإنسان، الباب، الراعي الصالح، الطريق، الحق، الحياة، الكرمة... إلخ. فكل وصف من هذه الأوصاف لا يُؤخذ بالمعنى الحرفي أبدًا، بل بالمعنى المجازي الروحي. حيث يعلمنا كل وصف من الأوصاف الواردة، جانبًا روحيًا معينًا عن شخصية المسيح. فالمسيح ليس بابًا، ولا حملاً، ولا طريقًا ولا ابن الله بالمفهوم الجسدي طبعًا.  ويُعَلِّم الكتاب بأن مصطلح "ابن الله" هو تشبيه فقط كما رأينا؛ يدل على أنه الإظهار الذي اختار الله أن يظهر ذاته به للبشر. وهو الذراع التنفيذي للذات الإلهية. مثل كيان الجسد في الإنسان، هو الذي يُظهر أفكار النفس، وينفذ مشيئتها؛ لمجتمع لا يرى نفسي، بل يرى فقط جسدي كالممثل والمعبر عنها!

ثانيًا، كناية "ابن الله"، بمفهوم العهد القديم واليهود:
تسمية "أبناء الله" بصيغة الجمع:
جاءت تسمية "أبناء الله"، بصيغة الجمع، بطريقتين في العهد القديم:
(1) الملائكة:
أول مرة استخدم فيه تعبير "أبناء الله"؛ عن الملائكة القديسين، مثل:
"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ" (أيوب 1: 6)؛ (أيضًا أطلق هذه التسمية على الملائكة الساقطين "הַנְּפִלִים هنفيليم"، تكوين 6: 1-5). 
لكن نلاحظ أن هذه التسمية هي بالجمع، لكل ملائكة الله، ولم يطلق أي ملاك على ذاته أنه ابن الله بالمفرد؛ لا الملاك جبرائيل ولا ميخائيل ولا أي أحد من البشر.
(2) إسرائيل، شعب الرب:
كذلك نرى المفهوم الكتابي لليهود، أن الله هو أبو الأمة التي لها عهد مقدس معه؛ فلها علاقة بنوة له. وهذا نراه في آيات كثيرة. مثل الله الذي يدعو الأمة اليهودية ابنه:
"لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي" (هوشع 11: 1).
فمن الطبيعي للأمة اليهودية، أي إسرائيل كأمة، أن تدعو نفسها ابن الله؛ فهذا أمر كتابي. وأيضًا مخاطبة الله بالجمع، "أبونا"، هذا أيضًا أمر كتابي ومشروع:
"وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا، وَكُلُّنَا عَمَلُ يَدَيْكَ" (إشعياء 64: 8).
فليس لدى اليهود أي مشكلة في مخاطبة الله كأبونا، في الجمع. لكن بصيغة المفرد، تختلف القضية نهائيًا؛ أي أن يخاطب أي شخص الله "أبي"، بالمفرد؛ أي يدعوه "أبي السماوي" (بالمفرد) مثلا، هذا كفر. فيراه اليهود غير متناغم مع كتاب العهد القديم نهائيًا. الله أبو الأمة اليهودية بالجمع، وليس بالمفرد.
لذلك بالنسبة ليهود، قول المسيح أنه ابن الله (بالمفرد)، هو كفر صارخ، كما نرى من شهادتهم:
"أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ»" (يوحنا 19: 7).
تسمية "ابن الله" بالمفرد!
نجد الله يسمي الملك داود "ابني":
"أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ" (2 صموئيل 7: 14).
ونجده أيضًا الملك سليمان "ابني"!!
"هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا، وَأَنَا لَهُ أَبًا وَأُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مُلْكِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ" (1 أخبار 22: 10).
في كلا الحالتين، يفهمها اليهود أن الآيات السابقة، تتكلم عن داود وسليمان، دون أن إشارة نبوية لشخصية أخرى. طبعًا هذا صحيح، لكن نفهمها على ظل العهد الجديد، أنها نبويًا تتكلم عن شخصية المسيح القادم، وليس داود، ولا سليمان. ولا أحد من البشر يستحق أن يكون ابنًا لله. لذلك جاء المسيح، ليفتح لنا باب التبني لله:
"وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يوحنا 1: 12).
"4 وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، 5 لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" غلاطية 4.
أيضًا المزمور الثاني:
"6 «أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي». 7 إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" المزامير 2.
وهذا المزمور أيضًا ينسبه اليهود لداود؛ لكنه لا يصلح له أبدًا؛ لأنه يظهر "مسيح الرب" فيه، كالشخصية التي ستدين كل الأرض!! وينسبه العهد الجديد بشكل خاص للمسيح (راجع أعمال 4: 24-28).
لكن دعنا داود وسليمان "ابني"؛ لكن على جميع الأحوال، حتى في المنظور اليهودي؛ لا يمكن أن يسمح بأن يدعو داود أو سليمان الله "أبي" إطلاقًا. ولا يمكن أن يسمح أن يسمى داود أو سليمان "ابن الله"!! فيكون المسيح هو الوحيد الذي دعا الله بهذه الطريقة، ودعي "ابن الله"!!
هل فعلا المسيح المنتظر لن يدعى ابن الله!!؟
نرى أنه بحسب الوثائق التاريخية لليهود؛ الفكرة المسيحية عن موضوع "ابن الله" ليست غريبة بشكل كبير عن فكر اليهود الأصيل. أي فكرهم، قبل مجيء المسيح، وقبل ولادة الديانة اليهودية الربينية الجديدة، في أواخر القرن الأول (بعد خراب الهيكل، والذبائح، والكهنوت، والسنهدرين، وطردهم من أورشليم). حيث حملت تعاليم بشرية في التلمود البابلي والمشناه، الكثير منها يأتي كردة فعل على المسيحية التي اجتذبت معظم اليهود إليها آنذاك. حيث بالنظر إلى أحد مخطوطات قمران، المكتوبة بالعبرية والآرامية معًا (بأحرف عبريه). كتبت في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد؛ نجد في أحد مخطوطاتها عدة شخصيات. واحدة يسميها بـ "ابن الله ברה די אל بَرَه دي إيل" (يعني ابن الله بالآرامية) و "ابن العلي בר עליון بَرْ عليون". يعتقد معظم المفسرون، أنها تتكلم عن مسيح ملوكي سياتي (4Q246). ففكرة المسيح الآتي، أنه سيكون ابن الله، هي أيضًا ليست غريبة على اليهودية الأصيلة؛ وحتى ولو أنكروها!

ثالثًا، معنى كناية "ابن الله" في العالم القديم:
واحدة من أهم القضايا الجوهرية في المسيحية ونقد الجاهلين لها؛ هو شخصية المسيح كابن الله. كيف نفهمها من ناحية كتابية؟ وكيف سنفهما من ناحية كتابية، قبل أن نفهم أولا الخلفية التاريخية لهذا الاصطلاح؟
هناك عدة مفاهيم لهذا الاصطلاح في العالم القديم، مُستنبطة من قصص وروايات الأساطير القديمة عن آلهات الشعوب؛ تنحصر بأربعة مفاهيم:
(1) الإله يتزوج بشر:
مثل مثال هيركوليز (Heracles)، اباه زيوس (Zeus إله الآلهة) وأمه إنسانة اسمها الكميني (Alcmene). (www.britannica.com/topic/Heracles)
كذلك شخصية جلجامش؛ أمه الآلهة الأنثوية نيسون (Ninsun)، وأباه الرجل البشري لوغال باندا (Lugalbanda). (جلجامش/ar.wikipedia.org/wiki)
(2) يُصبح ابن إله بالتبني!
وهذا التعبير ظهر بشكل بارز، خاصة لدى قياصرة الدولة الرومانية. فنجد أنه لدى حكام روما ممارسة شائعة؛ وهي نهج تبني ملوك رومان لأبناء ليسوا من صلبهم، ليرثوا الحكم. خاصة في القرن الأولى قبل وبعد الميلاد؛ حيث كان هذا أمرًا ونهجًا معروفًا لديهم. فكل امبراطور يدعي أنه إله؛ عندما يتبنى ولد ويجعله وريثًا لعرشه، يُطلق عليه أيضًا "ابن الآلهة". مثل القياصرة: أغسطوس، طيباريوس، نيرون؛ الثلاثة تبناهم قياصرة، وورثوهم الحكم. فأخذوا لقب "ابن الآلهة"، التي هي القياصرة البشر الذين تبنُّوهم [1]. لذلك تأثرًُّا بهذه الثقافة الرومانية، ظهرت طائفة مبتدعة من يهود آمنوا بالمسيح في القرن الأول، يدعون الأبيونيين. وادَّعوًا أن المسيح أصبح ابن لله بالتبنى. حدث هذا حينما تعمد؛ عندما قال الله عنه: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (متى 3: 17). وادعت طائفة مبتدعة أخرى من الغنوسيين، أن المسيح كان الله، لذلك لم يتجسد، بل ظهر بشكل بشر؛ لكنه لم يكن له جسد مادي! 
وطبعًا جاء وحي يوحنا ليرد على هتان البدعتان، كالأبيونيين والغنوسيين؛ بأن أقنوم الكلمة الذي كان مع الله من الأزل (ليس بالتبني إذًا)؛ وكان الله هو الكلمة (يوحنا 1: 1)؛ هو من الأزل ابن الله (يوحنا 1: 18). وشدد وحي يوحنا مرارًا وتكرارًا، أنه نزل من السماء (يوحنا: 3: 13، 31  و6: 16، 38، 41-42، 51، 58)! ويستخدم وحي يوحنا في 1: 14 تعبيرَ "والكلمة صار لحمًا" (في اللغة الأصلية)؛ لينفي بدعة الغنوسيين، أن المسيح لم يأتي بجسد مادي؛ بل "الكلمة صار جسدًا (لحمًا) وحل بيننا". (أيضًا راجع رد وحي يوحنا عليهم في، 1 يوحنا 4: 1-3).
(3) شخص يدعي أنه ابن الآلهة: 
وهذه الظاهرة مختلفة عن التي قبلها؛ هنا لا يدعي إنسان أنه ابن آلهة بشر؛ كما هو الحال لدى أبناء قياصرة روما ادَّعوا الألوهية؛ فاعتبروا أبناءهم أبناء آلهة. بل شخص يدعي أنه ابن آلهة "حقيقية"، سماوية، وليس بشر. ونجد هذه الظاهرة كثيرًا لدى الملوك الفراعنة، مثل أبناء الآلهة رع؛ مثل الملك الفرعوني دجيدف رع (نسبة للآلهة رع) [2]. وفي الثقافة الفرعونية، لقب "ابن الآلهة"؛ يعني التمثيل الشخصي للإله العظيم، غير المرئي، على الأرض!! كما ورد في مخطوطة (Papyrus Westcar) [3]. وكان المفهوم السائد لهذه الظاهرة، إن الملك مكانته عالية لاهوتية، حيث يلقب بـ"ابن الآلهة" عظيمة، تعيش في عالم الأرواح [4]. 
(4) ظهور الآلهة للناس:
أيضًا بحسب مفهوم الأساطير القديمة، من جهة ظهور آلهة معينة للبشر في الأساطير؛ عادة تظهر بشكل مرئي وملموس، وليس بشكل إلهي (هذا العلم يسمى: Theophany). وأحد التعابير التي تطلق على ظهورها، هي "ابن الآلهة"، وليس الآلة ذاتها لأن الآلهة لا تظهر للبشر بمنظرها الإلهي المطلق أبدًا. (en.wikipedia.org/wiki/Theophany).
وهذا النموذج نراه أيضًا في الكتاب المقدس ذاته، مرتين على لسان الوثنيين:
"24 حِينَئِذٍ تَحَيَّرَ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ وَقَامَ مُسْرِعًا فَأَجَابَ وَقَالَ لِمُشِيرِيهِ: «أَلَمْ نُلْقِ ثَلاَثَةَ رِجَال مُوثَقِينَ فِي وَسَطِ النَّارِ؟» فَأَجَابُوا وَقَالُوا لِلْمَلِكِ: «صَحِيحٌ أَيُّهَا الْمَلِكُ». 25 أَجَابَ وَقَالَ: «هَا أَنَا نَاظِرٌ أَرْبَعَةَ رِجَال مَحْلُولِينَ يَتَمَشَّوْنَ فِي وَسَطِ النَّارِ وَمَا بِهِمْ ضَرَرٌ، وَمَنْظَرُ الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَةِ». (דָּמֵה לְבַר-אֱלָהִין)" دانيال 3.
نلاحظ من الآية، أن الملك أدرك أن الشخص الرابع، فيه طبيعة إلهية أو غير طبيعية، خارقة! لأنه حل قيود الثلاثة رجال اللذين ألقوا في أتون النار، وحماهم من لهيبها!! فنلاحظ أن الملك لم يقل والرابع إله أو ملاك؛ بل قال "الرابع شبيه بابن الآلهة"؛ لأنه رآه على صورة بشر.
وأيضًا عندما بولس وبرنابا صنعا معجزة في لسترة ودربةَ، أمام أهلها الوثنيين. لنرى بماذا وصفوهم!
"11 فَالْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ: «إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا»" أعمال 14.
والعبارة المذكورة في الآية السابقة: "إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا"، يعكس تصور أهل الشرق القريب، للكيفية التي تظهر بها الآلهة للبشر. هكذا يقصد وحي العهد الجديد بالضبط بكناية "ابن الله"؛ الله الذي تشبه بالناس ونزل إليهم. نرى أن وحي العهد الجديد استخدم هذا المعنى تمامًا، لكناية ابن الله. الإله الذي تشبه بالبشر، وظهر لهم (أي مزيج ما بين آية دانيال وأعمال الرسل، السابقتين). 

رابعًا، النظرة القرآنية للمسيحية، تُظهر النمط الأول!! 
وهو كما رأينا، نمط زواج الله الذكر، بفتاة بشرية وأنجب ابنًا له، والعياذ بالله ألف مرة على هذا الافتراء (هذا النموذج (1)، من معنى "ابن الله" في العالم القديم أعلاه)!! نرى هذا الادعاء القرآني الكاذب عن المسيحية، في هذه الآية القرآنية:
" بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" الأنعام 101.
تفسير القرطبي للآية يقول: "أنَّى يكون له ولد، أي من أين يكون له ولد. وولد كل شيء شبيهه، ولا شبيه له. ولم تكن له صاحبة أي زوجة.!!"
وادعى القرآن الكذب عن الثالوث المسيحي أيضًا؛ أن "النصارى" يؤمنون بأن المسيح إله وأمُّه مريم إله، من دون الله، أي بانفصال عن الله؛ أي هناك ثلاثة آلهة! 
"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قل اتخذوني وأمي إلهين من دون الله..." (المائدة 116).
وكلاهما خطأ وكذب وافتراء صارخ على إيماننا المسيحي. نحن نؤمن بأن الله واحد، لكنه مثلث الأقانيم، الآب، الابن والروح القدس؛ لكن جوهر وذات إلهية واحدة. كالروح والنفس والجسد لدى الإنسان (1 تسالونيكي 5: 23)، نعم ثلاث كيانات بصفات وأدوار مختلفة؛ لكنها مشتركة في جوهر الإنسان الواحد!!! فكيف كتاب يدعي أصحابه أنه إلهي؛ لا يطرح حقائق صحيحة عن قضايا يريد نقدها!!!؟ لا أقول هذا، لأن القرآن ينتقد المسيحية؛ بل أقول هذا لأنه قدم طرح حقائق خاطئة عنها، قبل نقدها!! أليس من المفترض أن يكون الله كلي العلم؛ فيَعلم على الأقل بماذا يؤمن المسيحيون، ومن ثم ينتقد إيمانهم كما يشاء!! فعندما يطرح كتاب حقائق خطأ، ومن ثم يعقب عليها؛ من ناحية أكاديمية، يسمى أدب كهذا، أدب خيالي أو أسطوري؛ لأنه يطرح حقائق خاطئة! لهذا السبب، ليس لقول القرآن في هتان القضيتان أي قيمة فكرية، لأن نقده غير مبني على حقائق صحيحة.

ربما يتساءل القارئ: لماذا نحتاج أن نستطلع معنى تعبير "ابن الآلة" لدى الوثنيين، لكي نفهم العهد الجديد!!؟؟ السبب هو، لأن الله غير المحدود، عندما يستخدم لغة البشر المحدودة، يستخدمها في سياق معين، ليتواصل معهم برسالة يفهمونها. فلكي نعرف ماذا قصد من استخدام التعبير، نحتاج أن نتعلم ماذا كان معنى التعبير لدى الذين سمعوه، يهودًا وأممًا. فإذًا، كما رأينا، إن تعبير "ابن الله" الذي دعي به المسيح؛ فهمه الذين سمعوه، أنه ظهور الله المرئي للبشر، بجسد مادي بشري. والمسيح ليس ابن الله بالمعنى الحرفي، بل بالمعنى المجازي؛ حيث يؤكد هذا وحي العهد الجديد، ويقول عنه أنه "مشبَّهٌ بابن الله".

القدس - 12/ 08/ 2026
باسم أدرنلي

[1] Robert L. Mowrey, “Son of God in Roman Imperial Titles and in Matthew,” Biblica 83 no. 1 (2002) 100–110.
[2] Beckerath, Handbuch der Ägyptischen Königsnamen, 25–26.
[3] Von Lieven; ‘God as Father (and Mother) in Ancient Egypt’, 2014 (24-25).
[4] Dan’el Kahn, “The Royal Succession in the 25th Dynasty,” Antike Sudan 16 (2005) 143–63, at 156.

267 مشاهدة