كنيسة بلا جدران

طريقة سرد رسالة الكتاب المقدس

الكتاب المقدس يطرح أفكار واختبارات أناس وشعوب، بأسلوب كتابة المُوحى له، بإرشاد الروح القدس. وبعدها يقدم المُوحى له بالروح القدس، آراء الله على آراء البشر، وردود أفعال الله على الأحداث وأعمال البشر. فرسالة الله المباشرة للإنسان وردوده على أفعال وأقوال البشر، هو العمود الفقري الذي يحمل رسالة الوحي الإلهي للبشر عبر كل العصور.
لذلك نرى دائمًا في الكتاب المقدس مزيج بين ضعف الإنسان وقوة الله؛ خيانة الإنسان وأمانة الله؛ خطايا الإنسان وقداسة الله...إلخ. فنرى في الكتاب المقدس صراخ الإنسان، تأوهاته، تذمره، ألمه، تصرفاته، أفكاره، عنفه، زناه، خيانته....إلخ.  وفي نفس الوقت، نرى ردود أفعال الله عليها جميعًا، وهذا يعلمنا أعظم وأوضح رسالة ممكن أن يتخيلها البشر، عن شخصية الله.  لذلك أحيانًا قليلة، نجد حتى أنبياء ينقلون أفكارهم الشخصية الخاطئة. طبعًا لكي ينقل الوحي تعامل الله معهم، كيف شكلهم وغيرهم؛ لكي يعلمنا ويحثنا الله أن نثق به فقط في تغييرنا المستمر مثلهم بحسب صورة الله، الي هي صورة المسيح (2 كورنثوس 4: 4  وقيلبي 2: 6  كولوسي 1: 15).  
مثال داود عندما يقول:
"19 لَيْتَكَ تَقْتُلُ الأَشْرَارَ يَا اللهُ. فَيَا رِجَالَ الدِّمَاءِ ابْعُدُوا عَنِّي. 20 الَّذِينَ يُكَلِّمُونَكَ بِالْمَكْرِ نَاطِقِينَ بِالْكَذِبِ هُمْ أَعْدَاؤُكَ. 21 أَلاَ أُبْغِضُ مُبْغِضِيكَ يَا رَبُّ وَأَمْقُتُ مُقَاوِمِيكَ. 22 بُغْضاً تَامّاً أَبْغَضْتُهُمْ. صَارُوا لِي أَعْدَاءً" مزمور 139.
ينقل الوحي فكر داود الخاطئ وضعفه بصدق تام، وبالصورة الحقيقية التي يشعر بها. مطبقًا وصية الله الصادقة القائلة: "اسْكُبُوا قُدَّامَهُ قُلُوبَكُمْ. اَللهُ مَلْجَأٌ لَنَا" (المزامير 62:8). وأحيانًا عندما يسكب الإنسان قلبه أمام الله، تخرج منه أشياء غير سليمة! لكن في نفس الوقت، ينقل الروح القدس ردود الله على تلك الآراء (وهي خلاصة الوحي). كما نرى في الآية التي بعدها مثلاً، فيتابع الوحي من خلال داود، ويقول:
"23 اخْتَبِرْنِي يَا اللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. 24 وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ وَاهْدِنِي طَرِيقاً أَبَدِيّاً" مزمور 139.
أي أن ردة فعل الله على أقواله، تقول: "أنت يا داود بداية الحل وليس الأشرار؛ لذلك يجب أن تتوب وتتغير. قلبك يحتاج إلى فحص من الله باستمرار، لكي يهديك إلى فكره وطريقه المستقيم دائمًا".
مثال آساف عندما يقول:
"3 لأَنِّي غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ... 12 هُوَذَا هؤُلاَءِ هُمُ الأَشْرَارُ، وَمُسْتَرِيحِينَ إِلَى الدَّهْرِ يُكْثِرُونَ ثَرْوَةً. (يعبر عن غيرته من نجاح الأشرار، ويقول إنهم ناجحين مستريحين ولا يعمل لهم شيء الله (ع 1-12)!!!) 13 حَقًّا قَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً وَغَسَلْتُ بِالنَّقَاوَةِ يَدَيَّ. 14 وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ، وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ (وفي هذه الآية، يقول شيء خطير، أنه أصلا أخطأ عندما آمن وتبع الله، والله كافئه على إيمانه بالمشقات!!!)" مزمور 73.

بعدها يقرر أن يصلي ويقترب لله، خاضعًا، مؤمنًا، طالبًا أن يفهمه الله ويعطيه نعمة أن يرى الأمور من منظاره. وبعد أن فعل هذا، يقول:
"17 حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ. 18 حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ. 19 كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! اضْمَحَلُّوا، فَنُوا مِنَ الدَّوَاهِي. 20 كَحُلْمٍ عِنْدَ التَّيَقُّظِ يَا رَبُّ، عِنْدَ التَّيَقُّظِ تَحْتَقِرُ خَيَالَهُمْ." مزمور 73.
بعدها يعلمنا ردة فعل الرب، والدرس الذي علمه إياه، في هذه العملية الجراحية المؤلمة الشافية:
"23 وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى (السبب في استمرار وجودي مع الرب؛ هو نعمة الرب الممسك بيدي اليمنى). 24 بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي. 25 مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ... (إلخ. إلى نهاية 28)" مزمور 73.

مثال صوفر النعماتي، صاحب أيوب:

عندما يقول: "12 أَمَّا الرَّجُلُ فَفَارِغٌ عَدِيمُ الْفَهْمِ، وَكَجَحْشِ الْفَرَا يُولَدُ الإِنْسَانُ." أيوب 11.
عادة يأخذ النقاد هذه الآية مثلا، ويقولون لك: "انظر ما هو رأي إلهك بالإنسان"!! لكن عندما نرى بداية الفصل المأخوذة منه، هو قول لصوفر النعماتي: "فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ وَقَالَ...... (إلى 20))" (أيوب 11: 1).
وما هو رأي الله في أقول صوفر النعماتي؟
"وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهذَا الْكَلاَمِ، أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: «قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ (صوفر النعماتي، وبلدد الشوحي، أيوب 2: 11)، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ" (أيوب 42: 7).
إذا نرى هنا بوضوح كيف أن الرب رفض وغضب على هذه الأقوال. وبعدها ننظر لخلاصة السفر، رأي الله الذي يبت في كل ما قيل (أيوب: 38-42).
فلو لم يظهر ضعف الإنسان في الكتاب المقدس، كما رأينا من الأمثلة السابقة؛ يصبح الكتاب مجرد كلام غير مؤثر، غير عملي، مثل محاضرة عالية جدًا فوق مستوى المستمعين، ولا يُسمح لهم بطرح الأسئلة في نهايتها!! وهذا أحد عشرين تميز يتميز به الكتاب المقدس عن القرآن مثلا؛ أسلوب الحوار بين الله والبشرية على مدار أكثر من 2500 سنة!! فالكتاب المقدس هو مثل المحاضرة المبسطة التي تنقل حكمة الله للإنسان؛ فنرى كيف يتخللها الكثير من الأسئلة والأجوبة عليها. مما يجعل الكتاب المقدس كتاب بسيط، لكنه قمة في العمق؛ ويجيب على جميع تساؤلات الإنسان: الروحية، الفكرية، الاجتماعية، السياسية، التربوية، الأسرية، السلوكية. لذلك الكتاب المقدس قائم فقط على ذاته، بخلاف القرآن الذي يحتاج لنصوص أكبر من حجمه على عشر أضعاف على الأقل، لتكمل رسالته ومعناه! لذلك نجد أن ظهور ضعف البشر في الكتاب المقدس، أو سوء تقديرهم كما في النماذج السابقة، لا يؤثر إطلاقًا على قوة وحكمة الله الواضحة الشاملة، لأنها هي وحدها التي تبت في كل الحالات.
هل الأنبياء معصومون؟
فمن جهة الكتاب المقدس، عصمة الأنبياء تشمل فقط التبليغ، أي نقل النبي للوحي نفسه للبشر فقط. وهذه نقطة معتمدة على أمانة وقدرة الله. لأنه إذا كان الله يعلم المستقبل، ويعين نبي، ولم يحسن في تبليغ رسالة الوحي؛ فلماذا يعينه بداية، وهو يعلم أنه لن يحسن التبليغ!؟ لذلك الله هو المسؤول عن هذه النقطة؛ فالنبي معصوم من جهة تبليغه للرسالة الموحاة له من الله فقط، وهذا معتمد على قدرة الله وكماله.
أما من جهة حياة الأنبياء الخاصة، نعم هم أناس صديقين وأتقياء، لكنهم غير معصومين عن الخطأ في حياتهم الخاصة. الله وحده المعصوم عن الخطأ، وليس البشر؛ مهما كانوا أتقياء ومستقيمين كالأنبياء، الملوك الكهنة وغيرهم من أناس صديقين. لهذا السبب لم يجعل الله أناس معينة تحتكر كلمة الله وحدها أبدًا، ولا في أي عصر. فأوحى الله كلمته بمُعظمها للأنبياء؛ لكن أيضًا أوحى لكهنة، لملوك ممسوحين (كداود وسليمان)، وايضًا لأناس صديقين؛ كآساف، بني قورح، هيمان الإزراحي، حنة أم صموئيل، القديسة العذراء مريم ، أيوب وغيرهم...إلخ. البعض منهم حتى لم يُذكر اسمه؛ ليظهر فقط الله في كتابه دون أي شريك، ويختفي من أمامه أي مجد بشري مهما كان. كما أكد الله دائمًا وقال: "مجدي لا أعطيه لآخر" (إشعياء 42: 8)؛ فالله لا يقبل أن يشاركه أي إنسان في المجد؛ لذلك من المستحيل أن تجد اليهود والمسيحيون يمجدون أي نبي، مهما كان، عبر كل العصور. المسيحيون يمجدون المسيح وحده، لأنهم يؤمنون أنه لا فصل بينه وبين نفس ذات الله؛ لأنه مجد الله الآب يمكن في وجه يسوع المسيح الذي أظهره لنا بملئه (2 كورنثوس 4: 6؛ يوحنا 1: 14)

القدس - 06/ 01/ 2026
باسم أدرنلي

356 مشاهدة