الآيات: "8 مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ. أَمْشِي حَافِيًا وَعُرْيَانًا. أَصْنَعُ نَحِيبًا كَبَنَاتِ آوَى، وَنَوْحًا كَرِعَالِ النَّعَامِ."
الاعتراض: ما هذه السخافة، هل يعقل أن يمشي إلهك حافيًا وعريانًا! الحمد لله على نعمة الإسلام!؟
الرد: نعم هذا كلام لا يُعقل وسخيف. لأن المتكلم والمقصود في الآية هو ليس الله، بل النبي ميخا. وذلك على إعلام الرب للنبي ميخا ماذا سيحدث لمملكة إسرائيل الشمالية، السامرة؛ إذا استمرت في عبادة الأوثان. الله سيرفع يد حمايته عنهم، ويسلمهم لأشور، لتذلهم وتدمر أرضهم وتسبيهم. والسياق كما يلي:
"6 «فَأَجْعَلُ السَّامِرَةَ خَرِبَةً فِي الْبَرِّيَّةِ مَغَارِسَ لِلْكُرُومِ وَأُلْقِي حِجَارَتَهَا إِلَى الْوَادِي وَأَكْشِفُ أُسُسَهَا. 7 وَجَمِيعُ تَمَاثِيلِهَا الْمَنْحُوتَةِ تُحَطَّمُ وَكُلُّ أَعْقَارِهَا تُحْرَقُ بِالنَّارِ وَجَمِيعُ أَصْنَامِهَا أَجْعَلُهَا خَرَاباً لأَنَّهَا مِنْ عُقْرِ الزَّانِيَةِ جَمَعَتْهَا وَإِلَى عُقْرِ الزَّانِيَةِ تَعُودُ!». 8 مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنُوحُ وَأُوَلْوِلُ. أَمْشِي حَافِياً وَعُرْيَاناً. أَصْنَعُ نَحِيباً كَبَنَاتِ آوَى وَنَوْحاً كَرِعَالِ النَّعَامِ." ميخا 1.
انتبه لعبارة "من أجل ذلك" في العدد 8؛ يعني يفسر لك ردة فعل ميخا على هذا الخبر. سار حافيًا، وعريانًا، لكي يحذر الشعب. فدعوة الأنبياء الحقيقيين يا صديقي، هي ليس دعوة ترف وتنعم؛ ليست دعوة ربح ربع الغنائم، والزواج من تسع نساء، والزنى مع عدد غير متناهي من ملكات اليمين المسبيات من الحرب، وكل من وهبت نفسها لنبيك!!! لن تجد أي نبي في كل تاريخ الأنبياء، بهذا الرجاسات والفحشاء أبدًا. حتى لن تجد أي نبي من موسى ليوحنا المعمدان تزوج من أكثر من امرأة واحدة.
شرح موسع عن طبيعة حياة الأنبياء الحقيقيين:
نموذج الأنبياء الحقيقيين يحمل القداسة التامة، إنكار كامل للذات، والاختفاء التام من المشهد ليظهر فقط الله دون شركاء. كل الأنبياء عانوا من الاحتقار، والألم والتضحية، وفقدان كل ملذات العالم ومتاعها، لن تجد أنبياء حتى تزوجوا بأكثر من امرأة واحدة. لن تجد أنبياء حقيقيين، حتى قالوا عن أنفسهم أنهم أنبياء؛ فنجد أن إيليا، هو النبي الحقيقي الوحيد الذي قال عن نفسه أنه نبي، وقالها في إطار حالة طوارئ (1 ملوك 18: 22). فمستحيل أن يطلب الأنبياء الحقيقيين من الناس حتى أن تؤمن بهم!! بل كانت رسالتهم، آمن بالله فقط، أكرمه، واتكل عليه.
فيما يلي نبذة عن دعوة الله للأنبياء للألم والمعاناة. وذلك ليتوحدوا مع آلام الشعب المزمع أن يأتي عليهم كنتيجة لعقاب الله لهم، بسبب عبادة الأوثان!! ليشعروا معهم، كم القضية خطيرة وصعبة، ليتعظ الشعب قبل حلول دينونة وعقاب الله لهم:
الأنبياء إشعياء وميخا:
طلب من إشعياء أن يلبس مسوحَ الحزن والحداد، وأن يسير حافيًا لثلاث سنين!! ليحذر الشعب بما هو مزمع أن يحدث لمصر ولكوش. وذلك لتحذير شعب إسرائيل ألا يتكل عليهما، بل يتكل على الرب ويتوب (إشعياء 20: 1-5).
كذلك النبي ميخا، طلب منه الله أن يسير حافيًا وعريانًا كعلامة للشعب بأن الله سيسمح لأشور بأن تخرب مملكة إسرائيل الشمالية، السامرة! (ميخا 1: 6-8).
النبي إرميا:
* طلب من إرميا أن يشتري حزامًا من كتان، ويطمره في شق صخر عند نهر الفرات! وبعدها بأيَّام يأمره بأن يخرجه، ليرى أنه فسد! وذلك كإشارة لإفساد الرب لكبرياء شعبه!! (إرميا 13: 1-11).
* ثم يأتي به لبيت الفخاري، ليريه أنه لا يمكن أن يرمي أي طين؛ بل إذا فسد وعاء وهو يعمله، يستخدم نفس الطين لعمل وعاء آخر. ليظهر لإرميا الرجاء الإلهي العظيم. أنه مهما عاقب الله إسرائيل، لن ييأس منهم؛ بل سيستمر ويحاول عمل وعاء آخر جديد منهم (إرميا 17).
* ثم يطلب منه شراء إناء خزف فاخر، ليكسره في وادي ابن هَنُّوم أمام سكان يهوذا وأورشليم؛ كعلامة على عقاب الله الآتي عليهم من مملكة بابل (إرميا 19).
وطبعًا لأن كل حياة إرميا كانت حياة عذاب وألم، لم يطلب منه الله علامات فيها عذاب وألم إضافي له، كباقي الأنبياء (راجع آلام وبكاء إرميا على الشعب في سفر مراثي إرميا).
النبي حزقيال:
* الله يطلب من حزقيال أن يبني مدينة محاصرة من لبن؛ لكي يراها شعب إسرائيل كل يوم؛ ليدركوا أن العقاب والذل آتي عليهم، ليتَّعِظوا ويتوبوا (حزقيال 4: 1-3).
* يطلب الله منه أن ينام فقط على جنب واحد، لكي ما كلما يتعب، يتذكر أن يصلي لأجل الشعب (حزقيال 4: 4-8).
* الله يأمر حزقيال بأكل محدد وكمية محدد؛ ليشعر بذل الشعب عندما يحدث السبي والاحتلال (حزقيال 4: 9-11).
* الله يطلب من حزقيال أن يطبخ طعام على زبل البقر أمام الشعب. كعلامة تحذيرية له، على الضيق والذل القادم عليهم من جيش الكلدانيين؛ إذا استمروا بعبادة الأوثان ورفضوا التوبة والرجوع للرب (حزقيال 4: 13).
* الله يأمر حزقيال بأن يقص شعره ولحيته! ربما سيثير هذا سخرية الناس، لكن تحتاج الناس أن تدرك الإذلال القادم عليهم إذا تمادوا برفص التوبة وترك الأوثان (حزقيال 5: 1-12).
* سيمرر الله حزقيال بأقصى درجات الألم، ليشعر بألم الشعب. حيث سيرى شعب أورشليم، مدينته الجميلة، تُحرق وتُهدم. فستزول شهوة عيني الشعب؛ أي سيُدمَّر الهيكل وأورشليم. وليُشْعِر الله حزقيال بألم الشعب قبلما يحدث، يميت زوجته التي كان يحبها جدًا!!! (حزقيال 24: 16-21).
النبي هوشع:
يطلب منه أن يتزوج من امرأة زانية عاشرت رجالاً كثيرين؛ ويعيش في هذا الحالة المُذِلة والمهينة. وذلك ليدرك القليل عن حزن الرب على شعبه الذي تركه، وزنى عنه بعبادة الأوثان! (هوشع 1: 2-3 و3: 1).
أرأيت أخي العزيز هذه النبذة عن سيرة الأنبياء الحقيقيين، لتدرك ماذا تعني دعوة النبوة الحقيقية. كم دعوة النبوة هي دعوة إنكار وإنفاق كلي للذات، ألم، عذاب، تضحيات، فقر، تقشف؛ ومع هذا كله، في معظم الأحيان، اضطهاد مستمر من الشعب!!
باسم أدرنلي
الآيات: " 2 أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ."
مقارنة مع متى 2 " 6 وأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ."
الاعتراض: نلاحظ هنا أن الآية غير مقتبسة بدقة؛ متى يقول "أرض يهوذا"، وميخا يقول "أَفْرَاتَةَ"؛ متى يقول "لست الصغرى" وميخا يقول "أنت صغيرة"؛ فما الصح؟
الرد: أولا: الاقتباس نوعين؛ اقتباس حرفي؛ ويجب أن يأتي بداخل علامات اقتباس "" . والثاني هو الاقتباس التفسيري؛ فهذا النوع من الاقتباس، فيه يفسر ما يفهمه الكاتب من القول المقتبس؛ ولا يكون طبعًا داخل علامات اقتباس. فالوحي هنا قدم تفسيرًا وشرحًا للاقتباس. لذلك ممكن يتضمن أمور تزيد على معنى النص، لكي يفهم القارئ: كيف تمت النبوة؟ وما كان المقصود منها بالضبط؟ فالوحي أراد أن يبرز أن إفراتة، هي أرض لسبط يهوذا، التي كان الوعد أن يأتي منها المسيح (تكوين 49: 8-10)؛ وأنه بالرغم من أن النبوة قالت عنها أنها من أصغر المدن؛ بولادة المسيح منها، سوف لا تكون صغرى فيما بعد؛ بل ستأتي لها الشعوب من جميع أنحاء الأرض، إكرامًا للمسيح الذي خرج منها. أما عبارة "وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ"، التي تتكلم عن لاهوت وأزلية شخص الكلمة المتجسد، فحذفها الوحي، لأنه أبرزها في الأصحاح الأول، كالحقيقة الثالثة لشخصية ذلك المولود؛ وهي أنه الله الظاهر في الجسد. *
* الأولى هي أنه الملك المسيح - ابن داود – 1: 1؛ والثانية هي أنه هو المخلص لخطايا البشرية – 1: 22؛ والثالثة هي أنه الله معنا؛ أي الله الذي تجلى في شخص المسيح – 1: 23.
باسم ادرنلي