كنيسة بلا جدران

ماذا تغير بخصوص مقام الأنبياء في العهد الجديد؟

لقد حدثت تغييرات كبيرة في حقيبة النبوة ما بين العهد القديم والعهد الجديد. وهذا التغيير سنستعرضه في عدة نقاط؛ ليساعدنا على إدراك ماذا حدث بالضبط في حقبة المسيح وملكوت السماوات. وكيف مستحيل أن يأتي أي نبي بعد المسيح، من نمط أنبياء العهد القديم. لذلك نقول: 

(1) انتهاء حقيبة النبوة بصفاتها ودورها القديم، بالمسيح:

إن المسيح هو الإشارة الصارمة والصارخة لانتهاء حقبة الأنبياء، كما نعرفها في العهد القديم. وذلك لأن المسيح كان هدف كل خدمة أنبياء العهد القديم.
* فانتهت حقيبة الأنبياء بيوحنا المعمدان؛ حيث قال المسيح:
"13 لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا" متى 11.
أي أن يوحنا المعمدان (يحيى ابن زكريا الكاهن) كان هو خاتمة الأنبياء؛ وبه انتهت فترة كل الأنبياء، كما نعرفها في العهد القديم:
"1 الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطُرق كثيرة. 2 كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكلِّ شيء الذي به عمل العالمين." عبرانيين 1.
لنلاحظ عبارة "بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا" أي يعلن إعلان واضح، صريح، ثاقب وصارخ؛ بأن زمن إرسال رسائل وتشريعات من الأنبياء للبشر، انتهت بالمسيح. لهذا السبب بعدما أتى المسيح، لا يمكن أن نصدق أي نبي يدعي النبوة ويأتي بأي إعلان أو وحي جديد.
* المسيح هو هدف توراة موسى:
"لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ" رومية 10: 4.
* المسيح هو هدف كل كتب الوحي! حيث قال المسيح لشيوخ وفقهاء اليهود:
لذلك أيضًا كل ما كتب في الكتب المُقدَّسة والناموس والأنبياء، وضعه الله بهدف أن يقودنا للمسيح!
"39 فتِّشوا الكتب لأنكم تظنُّون أنَّ لكم فيها حياة أبديَّة، وهي تشهد لي. 40 ولا تريدوا أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة " يوحنا 5.
إذا هدف كل الكتب المقدسة، هو أن تشهد للمسيح؛ وعندما يسلم الإنسان نفسه للمسيح، يهبه المسيح الحياة. وليس الكتب بذاتها التي تعطي الحياة!!
* والمسيح هو الإنجيل، وهو المُوحي للرسل، وليس المُوحَى له!! 
فلم ينزل على المسيح كتاب اسمه "الإنجيل" كما يظن المسلمون. بل المسيح هو موضوع الإنجيل من الألف للياء؛ كل وحي الإنجيل متمحور حول حياة المسيح على الأرض، إعلانه عن عصر ملكوت السماوات الجديد، وحياته في داخل المؤمنين به! ( للمزيد عن ما الإنجيل، اقرأ هذا المقال ). لذلك يقول الإنجيل:
"30 وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قُدَّام التلاميذ لم تُكتب في هذا الكتاب. 31 وأمَّا هذه فقد كُتبت (انتبه لهدف الإنجيل:) (1) لتؤمنوا أنَّ يسوع هو المسيح ابن الله (أي الله الظاهر في الجسد) (2) ولكي تكون لكم حياة إذا آمنتُم باسمه" يوحنا 20.
فالمسيح هو موحي الوحي، وليس المُوحَى له؛ حيث قال لتلاميذه:
"12.. يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي... 14 فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا، 15 لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا" لوقا 21.
كيف يعقل أن يكون المسيح حاضر وواقف مع كل مؤمن يحتاجه في الكرة الأرضية، وعبر كل الأزمنة والعصور!؟ وسيعطيه فمًا وحكمةً ماذا يفعل وماذا يقول، وقت الحاجة!!!؟؟ 
لأن المسيح هو كلمة الله الحية، التي لا فصل بينها وبين الذات الإلهية. فهل يعقل أن يوحى الله لكلمة الله ذاته!!؟ بل هو المُوحي. لذلك يقول: "كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عبرانيين 1: 2)؛ كلمة الله المتجسد.
* لذلك اختبرت الأرض يوم مجيء المسيح أعظم فرح رأته البشرية:
لأن كلمة الله بالنسبة لنا لم تُصبح كتابًا بل جسدًا حل بيننا (يوحنا 1: 14)؛ ففرحت السماء والأرض على هذا الحدث المصيري للبشرية: فرح الرعاة ببشارة مجيء المسيح (لوقا 2: 10)، وفرح الكاهن زكريَّا (لوقا 1: 67-79)؛ وفرحت أليصابات وانتصب يوحنا المعمدان وهو في رحمها (لوقا 1: 41-45)؛  وأنشدت مريم العذراء فرحًا به (لوقا 1: 46-55)؛ وأنشدت ملائكة السماء (لوقا 2: 13-14)؛ وأنشد سمعان الشيخ (لوقا 2: 29-32)؛ وأنشودة مريم النبيَّة (لوقا 2: 38)؛  وأيضًا المجوس الذين قطعوا أشهر من السفر ليسجدوا للمولود الملك وفرحوا فرحًا عظيمًا (متى 2: 10-1).
لذلك قال المسيح لتلاميذه:
"فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ (المسيح) وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا" (متى 13: 17).

(2) ابتداء عصر رسل المسيح:

منذ وقت المسيح، ابتدأ عصر الرسل، رسل المسيح: 
"وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا «رُسُلاً»" (لوقا 6: 13).
ونرى في ظل العهد الجديد، أن رسل المسيح، هي أعلى حقبه روحية؛ أعلى من الأنبياء (بمفهوم العهد الجديد)؛ حيث يقول:
" فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلاً رُسُلاً، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ. (1 كورنثوس 12: 28) (راجع أيضًا أفسس 4: 11).
فدور الرسل هو وضع أساس الكنائس كله، الذي يثبِّت مركزية المسيح (أفسس 2: 20). أما مصداقية رسل المسيح؛ فتبرهنت مصداقية وحيهم، بنفس الطريقة التي تبرهن بها وحي كل أنبياء العهد القديم (وهي النقطة (3) من الفصل السابق). لأن الله لا يمكن أن يغير مبادئه الروحية أبدًا. لكن مع فارق بسيط؛ قرر المسيح أن تتبرهن نبوتهم بالشرطين مجتمعين: شهادة المسيح لهم، وأيضًا المعجزات:
"وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ" (مرقس 16: 20).
" وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ" (أعمال الرسل 2: 43).
وبولس أيضًا: شهد له رسل مشهود لهم، مثل شهادة حننيا، مثبت بمعجزة (أعمال 9: 8-19)؛ وبطرس (2 بطرس 3: 16)، حيث أرسل رسل المسيح الأولون من أورشليم إناس مع بولس، ليتحققوا من رسوليته وخدمته (أعمال 15: 22-25)؛ وأيضًا شهدت لبولس المعجزات (أعمال 19: 11) ( بإمكانك مراجعة هذا المقال للتدقق من التفاصيل )

(3) أصبحت خدمة النبوة، هي الوعظ:

حيث أصبح دور الأنبياء في العهد الجديد، هو ليس الإتيان بوحي جديد؛ كما كان الحال لأنبياء الوحي القديم. بل أصبح دورهم، تفسير الكلمة المكتوبة للناس؛ وطرح التطبيق العملي منها لحياتهم، بإرشاد الروح القدس الساكن في كل مؤمن: 
"وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ" (1 كورنثوس 14: 3).
وهي ثلاث كلمات كالآتي:
"οἰκοδομὴν" "أويكوذومين": المترجمة ببنيان، وتعني بكل وضوح الكلمة التي ترجمت بها؛ تعزيز كلمة الله في حياة البشر، لبناءهم روحيًا. وكلمة "παράκλησιν" "براكليسين": المترجمة بوعظ، وتعني تعزية، تشجيع، التماس، حث (Dictionary Strong's).
* أما كلمة "παραμυθίαν" "باراموثيان": المترجمة بـ"تسلية"، وتعني تعزية، بحسب قاموس سترونغ السابق. ولعل هذه الكلمة هي الأكثر حاجة للتوضيح، بالرغم من صعوبة معرفة استخداماتها؛ لأنها ذكرت هنا فقط، مرة واحدة في العهد الجديد. لكن المعنى العام هو التعزية العميقة للمشاعر؛ والسبب في ترجمتها بكلمة "تسلية"، هو أنها مرتبطة بالروايات الكتابية. وهي تصيب الركن الثاني من كلمة الله، يسميها مزمور كلمة الله (119: 2) "شهادات الرب، עֵדֹתָיו". وهي تشمل روايات تعاملات الله مع شخصيات كتابية، ليغير حياتهم، ينقذهم، يباركهم، ويحقق مشيئته في حياتهم. يطرحها الواعظ، ومن خلالها يقوم بطرح العِبَرْ والتطبيقات العملية على حياة المؤمن، ليتغير ويشابه صورة المسيح أكثر كل يوم. 
هذه هي دعوة النبوة في ظل العهد الجديد، وسلطة الأنبياء، هي أقل وتحت سلطة رسل المسيح الروحية. لذلك مستحيل أن يأتي أي نبي مع وحي جديد، كنبي المسلمين، بعد المسيح.

مهم جدًا قراءة المقال الثاني: صفات الأنبياء الذين أُعطوا وحيًا، في العهد القديم

القدس - 1/ 11/ 2025
باسم أدرنلي

 
 
71 مشاهدة