كنيسة بلا جدران

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (7) اَلآبُ قد دفع كُلَّ شَيْءٍ في يد الابن!

كما تكلمنا في الفصل السابق، أن وحي إنجيل يوحنا قائم على فئتين من الآيات أساسيَّتين:
* آيات تتكلم عن السلطان الموهوب من أقنوم الآب لأقنوم الابن، منذ الأزل. ذكرها يوحنا المعمدان قائلا: "اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" (يوحنا 3: 35). وهي الآية التي حملت عنوان هذه الفصول.
* آيات تتكلم عن سلطان وهبه الله الآب للمسيح كإنسان؛ لأن أقنوم الابن، أخضع ذاته لكل محدوديَّات وقوانين البشر؛ وذلك في إطار حياة المسيح الشخصية البشرية فقط. 
وفي هذا الفصل سنتابع طرح السلسلة من الآيات من وحي إنجيل يوحنا، التي تتكلم عن السلطان الموهوب من أقنوم الآب لأقنوم الابن، منذ الأزل. 

(11) من يعرف الابن، يعرف الآب!!
"7 لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ». 8 قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». 9 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟" يوحنا 14.
فقول المسيح واضح لتلاميذه: "لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً"؛ أي معرفة الآب، تكمن بمعرفة الابن، يسوع المسيح.
وعندما طلب فيلبُّس من المسيح أن يريه الآب، عاد المسيح وأكد على حقيقة أن معرفته، هي معرفة الآب: " أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ". لننتبه هنا أنه عندما سأل عن رؤية الآب، أي إعلان الآب للتلاميذ؛ يقرنها المسيح للتلاميذ بعبارة "وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ"!!! أي معرفتي، هي معرفة الآب. لأنه، كما قلنا سابقًا، المسيح هو بهاء مجد الآب ورسم جوهره (عبرانيين 1: 3).

(12) محبة الابن، هي فعليًا محبة الآب أيضًا!
"9 كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذَلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي. 10 إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ" يوحنا 15.
المسيح بمطلع الآية، يُعلن أن محبته لنا، مساوية لمحبة الآب الأزلية للابن؛ "كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذَلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا"!! إلى هنا ربما نقول ما المميز في الأمر. لو قلت للأخوة: "أنا أحبكم كما أحبني الله"، ما المميز في الأمر؟ 
المميز في النص هو أن المسيح بعدها، بدلاً من أن يقول للمؤمنين به، أُثبوا في محبة الآب، أو محبة الله؛ يقول "اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي"!! أي نحتاج أن نثبت في إيماننا المستمر في حب المسيح لنا. وهذا الحب، هو القناة الوحيدة لمحبة الله، التي ظهرت في الابن وعمله الكفاري لأجلنا (يوحنا 3: 16  و1 يوحنا 4: 10)!! 
ويقول المسيح أيضًا لنا: "وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي" (يوحنا 14: 21).

(13) حفظ وصايا الله، هو حفظ وصايا المسيح!
ونجد المسيح يستكمل قضية ربط محبنا له، بمحبتنا للآب؛ بأن حفظ وصايا الآب، هي حفظ وصايا الابن!! حيث نجد هذا في آية النقطة السابقة أيضًا: 
"10 إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ" يوحنا 15.
لذلك قال المسيح أيضًا:
" اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي»" (يوحنا 14: 21).
الآية تعطي المفتاح كيف نحب المسيح فعلا؟ نحفظ وصاياه.
وتؤكد أنا إذا أحببنا المسيح فعلا (أي حفظنا وصاياه)، نمتلئ بحب الآب أيضًا؛ فيظهر المسيح ذاته لنا أكثر وأكثر.

(14) ومن يبغض الابن، يبغض الآب أيضًا!
ويعلن المسيح أيضًا ما أعلنه سابقًا عن حبه، لكن بشكل سلبي:
"23 اَلَّذِي يُبْغِضُنِي يُبْغِضُ أَبِي أَيْضاً" يوحنا 15.
فمن لا يحفظ وصايا الابن، المسيح، يكون فعليًا لا يحبه؛ وبالتالي لا يحب الآب أيضًا!!
هل تجرأ أي نبي أن يطلب من المؤمنين بأن يحبوه؛ وإن كانوا لا يُحِبُّوه، هذا يعني أنهم لا يُحِبُّوا الله!!؟

(15) كل ما للآب، للابن أيضًا!!!
15 كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" يوحنا 16.
هل يقدر بشر أن يقول هذا؟؟ كل ما لله، هو لي!؟ أي كل ما للآب، من: الكواكب والعوالم، والمخلوقات، والسماوات الثلاثة، والعرش السماوي والبشر... إلخ، هي للمسيح أيضًا!!!
ولا عجب في هذا، مكتوب أن الآب جعل المسيح وارثًا لكل شيء (عبرانيين 1: 2). حتى القرآن يكني الله بالوارث (الحجر 23)؛ ويقول إن الله هو خير الوارثين (الأنبياء 89)!! وهذه الكناية لا تصح على الله القرآني المزعوم من المسلمين أبدًا!! فكيف يرث "الله" ما يمتلكه، والعياذ بالله!؟ 
أما في إطار التجسد الإلهي، وخضوع المسيح الإنسان، لكل قوانين البشر؛ وانتصاره على الخطية والموت اللذان أوقع البشر بهما آدم (رومية 5: 12). فتمكن أن يكون المسيح، آدم الأخير، الوارث الشرعي كإنسان؛ لكل ما فقده آدم الأول من العالم المُوَكَّل إليه، قبل السقوط. حيث جعله الله صاحب الأرض وكل ما فيها (تكوين 1: 28). وبعدما أوقعه إبليس بالخطية؛ سلب الشيطان منه الميراث المُوكَّل له – الأرض وما فيها. حيث أصبح إبليس هو مالك الأرض الشرعي؛ لذلك قال إبليس للمسيح عن العالم "إليَّ قد دفع" (لوقا 4: 6). وأما المسيح، فحرر ميراث آدم الأول، وأصبح بيده كل سلطان في السماء وعلى الأرض (متى 28: 18).

(16) مجد المسيح يكمن في ذات الآب!!
"1 تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً ... 5 وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ." يوحنا 17.
نرى في الآيات السابقة ثلاث نقاط هامة: 
أولا: إن تمجيد الابن، ينتج عنه تمجيد الآب 
وذلك بقوله: "مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً". فعندما نعمل أعمال حسنة باسم المسيح، نمجد أبانا الذي في السماء، كما قال المسيح (يوحنا 14: 13-14  ومتى 5: 16). فالآب يكرمنا، لكن لا يمجدنا، بل نحن الذي نمجده. أما في العبارة السابقة، الآب هو الذي يمجد المسيح، ليمجد المسيح الآب بنفس الطريقة!! 
ثانيًا: الآب يمجد الابن عند ذاته!!
وذلك بقوله في آية 5 "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ"؛ ماذا تعني عبارة "عند ذاتِك"؟
العبارة اليونانية " παρὰ σεαυτῷ" "Para seauto"؛ تترجم بـ : فوق ذاتك، مع ذاتك، في ذاتك، مقابل ذاتك. وفي كل الأحوال، تؤكد أن المسيح وهو على الأرض، كان في ذات الله الآب، وهو في السماء؛ بلا انفصال. لأن الله أصلا يملأ السماوات والأرض (إرميا 23: 24).
ثالثًا: الآب سيمجد الابن، بمجده الأزلي!
كما قال المسيح "وَالآنَ مَجِّدْنِي.. بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ (أي الذي كان ليس عندك من الحالة الأزلية)". أي المقصود بكلمة "مجدني" بشكل مُطلق، أي "أظهر مجدي الأزلي للعالم". لأن المسيح هو بهاء مجد الله الآب (عبرانيين 1: 3).
وهذا التعبير أيضًا تكرر مرة ثانية في إنجيل يوحنا:
"31 فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوعُ: «الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللَّهُ فِيهِ. 32 إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعاً." يوحنا 13.
وهذا يرد على بعض النقاد، الذين يقولون: 
عندما تجسد الله، بحسب زعمكم، فمن بقي في السماء!!؟
لكن الآيات هذه تؤكد أنه لا فصل بين المسيح وهو على الأرض، والله الآب الذي في السماء. فالآب الذي في السماء، الذي سمع صوته آلاف مؤلفة من اليهود عند معمودية المسيح. هو الله الذي يملأ السماوات والأرض: " أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (إرميا 23: 24). فالمسيح وهو على الأرض، قائم في ذات الآب وهو في السماء.

(17) نعمة الله، تكمن في نعمة المسيح:
"16 وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. 17 لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا" يوحنا 1.
فالوحي ينسب النعمة لله، وأيضًا نجد وحي يوحنا يؤكد أن النعمة، بأقنوم الكلمة وجدت وخلقت. إذا نعمة المسيح هي نعمة الله. لذلك الوحي ينسب النعمة للمسيح: (مثل: رومية 16: 20، 24   و1 كورنثوس 13: 14  وغلاطية 6: 18  وفيلبي 4: 23...). 
وينسب النعمة لله "نعمة الله": (لوقا 2: 40  وأعمال 11: 23  و1 كورنثوس 1: 4  و3: 10...).

القدس - 16/ 10/ 2026
باسم أدرنلي

 
22 مشاهدة