كنيسة بلا جدران

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (6) اَلآبُ قد دفع كُلَّ شَيْءٍ في يد الابن!

كما تكلمنا في الفصل السابق، أن وحي إنجيل يوحنا قائم على فئتين من الآيات أساسيَّتين:
* آيات تتكلم عن السلطان الموهوب من أقنوم الآب لأقنوم الابن، منذ الأزل. 
* آيات تتكلم عن سلطان وهبه الله الآب للمسيح كإنسان؛ لأن أقنوم الابن، أخضع ذاته لكل محدوديَّات وقوانين البشر؛ وذلك في إطار حياة المسيح الشخصية البشرية فقط. 
وفي هذا الفصل سنتابع طرح السلسلة من الآيات من وحي إنجيل يوحنا، التي تتكلم عن السلطان الموهوب من أقنوم الآب لأقنوم الابن، منذ الأزل. 

(5) مثله مثل الله، حياته مستمدة من ذاته!!
حيث قال المسيح:
"26 لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ" يوحنا 5.
لفهم هذه الآية الصعبة، نحتاج أن نفهم أن حياة البشر ليست مستمدة من ذاتهم، بل مستمدة من الله خالقهم طبعًا: "الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ" (أيوب 12: 10).
الآية تعني أنه كما أن الله الآب حياته مستمدة من ذاته، أي وجوده مستمد فقط من ذاته. كذلك المسيح حياته مستمدة من ذات أقنوم الله الابن. أي لأقنوم الابن السيطرة التامة على حياة المسيح كإنسان. فالمسيح ليس كباقي البشر، لأنه الوحيد من البشر الذي امتلك حياته. لذلك هو الوحيد الذي يقدر أن يبذل حياته فداءً عنَّا؛ لهذا قال:
"17 لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي (حياتي) لآخُذَهَا أَيْضًا. 18 لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي (لا يقدر أحد أن يقتلني!!!!)، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا (له السلطان أيضًا أن يحيي ذاته). هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي (أي أن ذلك قائم بالاتحاد المتناغم مع ذات الله الواحدة)" يوحنا 10.
هل يتجرَّأ أي نبي على قول هذا: "حياتي مستمدة من ذاتي"، "لي سلطان على حياتي"، "لا يقدر أحد أن يميتني"، "لي سلطان أن أموت، وأن أحيي نفسي"!!؟؟
لذلك الوحي يشدد على أنه عندما كان المسيح معلقًا على الصليب، وبحسب توقيت الآب. كان يجب على المسيح أن يُسْلِم روحَه بذاته، ليموت بالجسد: "وأَسْلَمَ الروح" (راجع: متى 27: 5  ومرقس 15: 37  ولوقا 23: 46  ويوحنا 19: 30). وذلك لأن حياته وموته بالجسد، بيده هو فقط!!! من الصعب علينا فهم هذا، بحسب معرفتنا للمسيح كإنسان؛ لكن هذه هي الحقيقة الدقيقة التي ينقلها لنا الوحي.

(6) حماية المسيح، هي حماية الله!!
لقد وعد المسيح جميع مؤمنيه بالحماية، قائلاً:
"28 وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. 29 أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي" يوحنا 10.
فنرى المسيح في الآيات، يعلن ثلاث إعلانات صارخة لا يمكن إخفاقهما:
الأول: أنه هو من يهب الحياة للمؤمنين به؛ وهي النقطة الثانية التي طرحناها في هذا الفصل.
ثانيًا: أعلن عن قدرته الكاملة والمطلقة على حماية مؤمنيه وأتباعه: " وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي." 
ثالثًا: أعلن أن حمايته للمؤمنين به، مساوية لحماية الآب لهم!! أي أن حمايته لهم، مساوية لحماية الله كلي القدرة لهم. واصفًا قدرة الله كالـ "أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ"، كما يؤكد من الآية!!! وهي عبارة لم تُكتب لكي تبرز أن سلطان الآب أعلى من سلطان الابن. بل للتأكيد على أن حماية المسيح للمؤمنين به، هي بنفس مستوى حماية الله لهم؛ بل هي حماية إلهية واحدة، الأعظم من الكل!! 
من يقدر من البشر أن يقول هذا. حمايتي للمؤمنين، هي بنفس مستوى وقدرة حماية الله لهم!!!

(7) الابن والآب واحد!!
أيضًا المسيح أعلن أنه والله واحد!!
"30 أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». 31 فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. 32 فَقَالَ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» 33 أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً»" يوحنا 10.
في هذه الآية يؤكد أن الابن والآب مشتركان في نفس الجوهر. كالجسد والنفس في الإنسان؛ لهما ذات بشرية واحدة، بالرغم من أدوارهما المختلفة في إطار الإنسان الواحد.
كذلك يعلن المسيح أنه لا فصل بينه وبين الذات الإلهية الواحدة. ونرى من النص أن اليهود فهموا جيدا ما قاله، واتهموه بالتجديف. والتجديف في الإيمان الكتابي/واليهودي يخص التطاول على الذات الإلهية فقط (لاويين 24: 16)!! فمثلا من يدعي النبوة وهو كاذب، لا يتَّهمونه بالتجديف، بل يقولون مُضل، ويقاطعونه. فاليهود فهموا من قول المسيح أنه يعادل نفسه بالله؛ وهذا يُعْتَبَرْ تطاول على الذات الإلهية. وذلك من قوله "أنا والآب واحد"؛ ومن ادعاءه أن الله أبوه. كما بين لنا رأي الوحي ذاته، في هذه الجزئية بالذات:
" فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ" (يوحنا 5: 18)
لذلك قالوا له " نَرْجُمُكَ لأَجْلِ .. تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً"!! وذلك بقوله أنا والآب واحد، وأن الآب أبوه!!

(8) كما أن الآب حال في الابن، الابن حال في الآب!!
"38 وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ»." يوحنا 10.
"11 صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا" يوحنا 14.
وهتان الآيتان تعنيان أنه لا فصل بين المسيح والله. عندما يقول أن حلول الله ذاته، في؛ مساوٍ لحولي بالله. هذه إشارة صارخة بأنه لا فصل بينه وبين الله. فالله نعم حل بالأنبياء بروحه؛ لكن لا يقدر أي نبي أن يدعي أنه فيه، يحل ملء ألوهية الله!!! وهو مفهوم مؤكد بحسب وحي العهد الجديد: "فَإِنَّهُ فِيهِ (أي في المسيح) يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كولوسي 2: 9).
وكلمة "جسديًا" أتت للتأكيد أنه يتكلم عن حلول ملء الله في شخص المسيح الإنسان أيضًا. لا يقدر أي نبي أن يقول هذا أبدًا، لأنه لا يقدر بشر أن يحتوي ملء الله!! فالله قال لموسى أنه بمجرد رؤيته، سيموت حالاً!!
"20 وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ». 21 وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ، فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. 22 وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. 23 ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى»" الخروج 33.
فإذا الله أخفى موسى في حفرة، وجعل رأسه بالاتجاه المعاكس، لكي يرى مجد الله بعدما عبر من أمامه، لكي لا يموت. فكيف يدعي أي إنسان عادي أنه فيه يحل كل ملء الله!!!

(9) الذي يرى الابن، يرى الآب!!
"45 وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي (الآب)" يوحنا 12.
هنا المسيح يعلن بوضوح، أنه من يرى المسيح يرى الله!! لكن هل هذا الكلام رمزي، أم هو حقيقي، حرفي، ولازم معناه؟ 
لا بل هذا الكلام حرفي وحقيقي؛ حيث ينقل لنا أيضًا وحي إنجيل يوحنا حوارًا بين فيلبُّس والمسيح عن هذا الموضوع: 
"8 قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». 9 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ (أي لم تعرف حقيقة من أنا!!)! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟" يوحنا 14.
فيلبس يطلب من المسيح أن يريه الآب! فيقول له المسيح "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ." وهو حوار ثاقب لا يحتاج لشرح أو توضيح!! من رأى المسيح رأى الآب، أي رأى الله!!
وكأن أقنوم الابن، ككيان الجسد في الإنسان. وسؤال فيلبُّيس كان؛ كأنه يسأل شخص، دعنا نسميه فلان: "أرينا نفسك وكفانا؟" فيقول له فلان: "كل هذا الزمن الذي عشناه معًا؛ ومع هذا، تتكلم وكأنك لا تعرفني يا فيلبُّس! الذي يراني يرى نفسي!"
فكيان الجسد في الإنسان، هو الذي يعبر عن النفس والروح! حيث لا يمكن أن يرى أحد النفس والروح. وهذا ما يقوله الوحي تمامًا: "الله لم يره أحد قط" (يوحنا 1: 18)؛ وهو غير منظور (كولوسي 1: 15). فأقنوم الابن، هو الذي يُعَبِّرْ عن الله، ويدل عليه، لأنه: "بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 1: 3). أي أنه بعدما كلم الله الآباء بالأنبياء في الأزمنة التي قبل المسيح؛ قدم لنا الإعلان الكامل للذات الإلهية، (الذي نقدر أن نستوعبه في هذا الدهر)، في شخص يسوع المسيح (عبرانيين 1: 1-2). لذلك الإنجيل هو المسيح المتجسد في حياة البشر؛ هو ليس مجرد كتاب إلهي، بل القناة التي بها نقدر أن نصبح جزء من الطبيعة الإلهية وملكوت الله على الأرض والحالة الأبدية.

(10) الإيمان بالله الواحد، مرتبط بالإيمان بالابن!!
"1 «لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي" يوحنا 14.
أعرف أنه في الإسلام، الربط بين الإيمان بالله والإيمان بمحمد، يعتبر أمر عاديًا. لكن ليس بحسب المعايير لكلمة الله الحقيقية التي نقلت لنا سِيَر الأنبياء الحقيقيين. فأولاً، لم يتجرأ أي نبي أن يطلب من شعب إسرائيل أن يؤمنوا به، ولا حتى موسى!! وثانيًا، مستحيل أن تجد نبي حقيقي يقبل أن يشرك الإيمان بالله بالإيمان به؛ بل سيعتبر هذا تجديف صارخ على قدسية الذات الإلهية!! فكلا الرذيلتين هما شرك صارخ بالله مرفوض كليًا بحسب الكتاب المقدس وسِيَرْ جميع الأنبياء الحقيقيين. كان دور النبي هو فقط الاختفاء من المشهد تمامًا، ليظهر الله وحده دون شركاء. فبحسب المبادئ الإلهية الكتابية، إن ربط الإيمان بالمسيح بالإيمان بالله الآب؛ هي أحد أكبر الأدلة على أنه لا فصل بين المسيح والذات الإلهية؛ ككلمة الله. والإيمان بالمسيح ضروري وأساسي، لكل من يريد أن يعبد الله فعلا؛ الله الآب أعلن لنا أن أقنوم الابن هو إظهاره شخصيًا للبشر. لأنه بهاء مجده ورسم جوهره (عبرانيين 1: 3). فالمسيح هو القناة التي أعدها للدخول في الشركة مع الذات الإلهية. لذلك التوحيد المسيحي هو، إعلان ربوبية أقنوم الابن، المسيح، على حياتك. هذا هو الطريق الوحيد لتوحيد الله الحقيقي، بالألوهية وبالربوبية معًا:
"لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ. 1 كورنثوس 8.
"نحن به"، أي بالمسيح؛ تعني أننا فقط بالمسيح، نقدر أن نتمتع بالشركة مع الذات الإلهية. وبدون ربوبية المسيح على حياتنا، لا نقدر أن نوحد الله بالألوهية والربوبية معًا. نقدر أن نعلن كلاميًا توحيد الله بالألوهية فقط؛ أي نعلن كلاميًا أنه لا إله غير يهوه الله. لكن لن نقدر أن نعبده ويكون ربنا فعلاً ونكون بصلة معه إطلاقًا. فالإعلان القولي بأن الله واحد، هو ليس بشيء؛ فأيضًا الشيطان يعلن هذا (راجع يعقوب 2: 19). لكن مستحيل أن يكون الله رب أي إنسان فعلاً، بدون ربوبية المسيح على حياته. الذي بدونه، تصبح حياة البشر محط لأرواح، وأفكار أخرى شريرة تسيطر عليه، الله بريء منها.

القدس - 05/ 10/ 2026
باسم أدرنلي

104 مشاهدة