كنيسة بلا جدران

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (4) معنى: اَلآبُ قد دفع كُلَّ شَيْءٍ في يد الابن!

إن هذا الأساس الثالث الذي رفعه يوحنا المعمدان في آخر الإصحاح 3 من يوحنا، كما بَيَّنا في الفصل السابق؛ يشكل أهم عمودٍ فقريٍ في وحي إنجيل يوحنا. 
وقبل أن نبدأ، نحتاج أن نفسر العنوان؛ الذي هو عبارة نجدها في آية يوحنا 3: 35 التي تكلمنا عنها في الفصل السابق، التي منها أتى عنوان هذا الفصل:

معنى أن الآب "دفع كل شيء" في يد الابن:
هي سلسلة من الآيات في إنجيل يوحنا، لا يمكن أن تتكلم عن بشر. لأنه كيف الله سيدفع كل شيء في يد بشر!!!؟ إذا كان هذا صحيحًا، سيؤثر هذا على سلطان الله ذاته!! فمثلا عندما يقول الوحي: 
"لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يوحنا 5: 22).
كيف سيتنازل الله عن حساب البشر في يوم الدين، بقوله "الآب لا يدين أحدًا"؛ ويجعل ذاته، كأنه تقاعد عن مكانته الكاملة كالله، والعياذ بالله!!؟ وهل يعقل أن يصبح المسيح ملك يوم الدين والحساب كإنسان فقط!!؟ 
لذلك لا يمكن أن تكون هذه السلسلة من الآيات تتكلم عن منح الله سلطان لإنسان إطلاقًا؛ لأن هذا فعلا يؤثر على سلطان الله، مكانته، وعظمته. وأيضًا ينسب لله التغيير والتطوير، وهذه صفة للمخلوقات وليس لخالقهم! فهذه السلسلة من الآيات، تعني أن أقنوم الآب، أعطى دور لأقنوم الابن منذ الأزل، في نفس ذات الإله الواحد. لذلك نقول:

(1) دفع كل شيء في يد الابن، في إطار الله الواحد المثلث الأقانيم؟
سنراجع فكرة الثالوث لكي تكون الأفكار واضحة وسهلة. إن قضية الثالوث هي أن الأقانيم لها ذات إلهية واحدة. يعني الابن هو الله، الآب هو الله والروح القدس هو الله. لكن أقنوم الآب يختلف بدوره عن أقنوم الابن والروح القدس. 
أفضل وأبسط طريقة لفهمها، هو تحليل تركيبة الإنسان المخلوف على صورة الله (تكوين 1: 27). الإنسان أيضًا مثلث الكيانات؛ له روح، نفس وجسد (1 تسالونيكي 5: 23). فعندما النفس (التي العقل جزء منها)، تعطي الجسد تعليمات ماذا يقول، يكتب أو يعمل؛ هل هذا يعني أن العقل أعلى مقامًا من الجسد؟ لا بالتأكيد؛ لأننا نتكلم عن ذات بشرية واحدة. فالجسد هو أنا، والروح هو أنا، والنفس هي أنا أيضًا. لكن الروح هو ليس النفس، والنفس هي ليست الجسد... إلخ. لأنها كيانات مختلفة في أدوارها وسِماتها، لكن مشتركة في الذات البشرية الواحدة؛ لذلك أنا ذات بشرية واحدة وليس ثلاث ذوات أو ثلاث رجال! لذلك لا يوجد في ذاتي البشرية الواحدة كيان أعلى من كيان. فحتى لو كانت النفس هي من تحدد كل ما أفعله، وتحدد مصيري الأرضي والأبدي. جسد بدون نفس، سيجعلني معاق عقليًا! ونفس بدون جسد، سأكون في حالة موت سريري (Coma)... إلخ. وهذا يشرح بطريقة واضحة ثاقبة المفهوم للثالوث المذكور أعلاه: يعني الآب هو الله، الابن هو الله، والروح القدس هو الله. لكن أقنوم الآب يختلف بدوره عن أقنوم الابن والروح القدس. فالله الآب، هو القائد في الثالوث. لذلك يحقق الآب مشيئته، عن طريق أقنومي الابن والروح القدس. إذا عندما الآب يضع كل شي في يد المسيح، لا يمكن فهمها إلا في إطار الوحدانية الجامعة لله، الواحد المثلث الأقانيم. هذه هي الطريقة التي لا تجرد الله من سلطانه، بوهبه "كل شيء" في يد أقنوم الابن.
وهذا الشرح يجيب على سؤال يطرحه النقاد دائمًا بهذا الخصوص: 
حتى عندما يهب الآب سلطان للابن، الا يعني هذا أن الآب أعظم من الابن!؟ 
فالمنطق يقول أنه، حتى لو كان للمسيح كل سلطان في الوجود؛ عندما يمنحه إياه الآب، يفترض هذا أن الآب أعظم من الابن!
فالشرح السابق، يؤكد أن رأي النقاد صحيح مئة بالمئة؛ فقط إذا كان الله والمسيح كائنين منفصلين. لكن في إطار نفس ذات الله الواحد المثلث الأقانيم. لا يؤثر هذا على سلطان الله في شيء، ولا يجعل هذا أقنوم أعلى مقامًا من الأقانيم الأخرى. بل يظهر لنا أدوار مختلفة تخصنا كبشر، في إطار نفس ذات الإله الواحد المثلث الأقانيم. وحتى لو كان الآب هو القائد في الثالوث، هذا لا يجعله أعظم من باقي الأقانيم!
وفي هذا النمط من الوحدانية الجامعة، لا يوجد مشكلة مَنْ يَمْنَح لِمَنْ، في إطار نفس ذات الله الواحد، بأقانيمه الثلاثة، مختلفة الأدوار. وهذا نجده أيضًا في قرآن المسلمين، حيث تقول أحد الآيات عندهم:
"12... كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" الأنعام 54.
في هذه الآية، نرى بوضوح أن الجهة التي كتبت "الله"، في الذات الإلهية؛ مختلفة عن الجهة التي كُتِب عليها "نفسه"، أي نفس الله!! وواضح من الآية، أن النفس هي التي تنفذ أوامر الله؛ حيث هو الذي يُمْلي عليها قراراته وماذا تفعل!! فهل الله أعظم من نفسِهِ، كونه هو من كتب عليها!!؟ بالطبع لا، لأننا نتكلم عن كيانين، في نفس ذات الله الواحد. ونعم القرآن يضرب خرافة وحدانية الله البسيطة، التي يصر عليها فقهاء المسلمين، عرض الحائط!! فوحدانية الله الجامعة، لا تؤثر عليه في شيء، عندما أقنوم يعطي تعليمات لأقنوم ثانٍ ينفذ مشيئته؛ ولا يجعل الأقنوم الذي يتلقى التعليمات، اقل من الأقنوم الذي يعطيه التعليمات؛ في إطار نفس الذات الإلهية الواحدة.

(2) آيات تتكلم عن الآب الذي أرسل المسيح كإنسان:
"لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ" (يوحنا 12: 49).
وفي هذه الفئة من الآيات، بالطبع الآب أعلى مقامًا من المسيح كإنسان؛ دون أي أدنى شك. لذلك قال المسيح "أبي أعظم مني" (يوحنا 14: 28)؛ وذلك في حالته البشرية. التي بالرغم من اتحادها الدائم بالله الوحد المثلث الأقانيم؛ لكن كانت حالته البشرية في إطار إخلائه لذاته من استخدام سلطانه الإلهي في حياته الخاصة كإنسان!! حيث استمر أقنوم الابن في استخدام سلطان لاهوته، لكن خارج دائرة حياة المسيح الإنسان الخاصة. لذلك كان المسيح كإنسان، معتمدًا بالكلية على الله الآب في كل شيء كجميع الأنبياء. سبب تفوقه كإنسان على جميع البشر، هو أنه لم يخطئ، بالرغم من أنه جُرِّبَ في كل شيء مثلنا. فارتفع في أعلى مقامًا كإنسان، وانتصر على الخطية والموت لأجلنا كإنسان. ونجد وحي العهد الجديد يذكر لنا السبب في هذا؛ مستشهدًا في آية من مزمور 45: 7:
"أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ (كإنسان) بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ (الأنبياء والصديقين)" (العبرانيين 1: 9).

فهناك فئة كثيرة من الآيات في إنجيل يوحنا، التي تظهر السلطان والرسالة التي أعطاها أقنوم الله الآب، للمسيح كإنسان، منها:
"19 لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ... 30 أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا... 36 وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي" يوحنا 5.
"38 لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" يوحنا 6.
"26.. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أَقُولُهُ لِلْعَالَمِ... 28.. وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي... 40.. وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللهِ" يوحنا 8.
"49 لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ" يوحنا 12.
"24 وَالْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي... 31 وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هكَذَا أَفْعَلُ" يوحنا 14.
وأيضًا المعجزات التي علمها المسيح، عملها بسلطان الله الآب!!
"10 الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَال" يوحنا 14.
حتى إقامة لعازر، يوضح الوحي أن المسيح فعلها كإنسان، بسلطان الآب!
"41.. «أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، 42 وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي». 43 وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!»" يوحنا 11
لذلك أعطانا نفسه كنموذج لنقتضي به:
"10 إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ... 15 لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" يوحنا 15.
بالإضافة للتعابير السابقة، نجد تعابير مرادفة استخدمها المسيح في وحي إنجيليْ متى ولوقا:
لقد نقل لنا وحي إنجيل متى، أن المسيح قال إنه صنع المعجزات "بروح الله": متى 12: 28. 
ونقل لنا وحي إنجيل لوقا أن المسيح قال إنه يصنع المعجزات "بأصبع الله": لوقا 11: 20.
أي إن أقنوم الابن لم يأخذ إجازة أو يتوقف عن ممارسة دوره الكوني طبعًا! بل استمر في ممارسته، لكن خارج عن إطار حيات المسيح الخاصة كإنسان.

فنحتاج ألا نخلط هتان الفئتان السابقتين من الآيات في إنجيل يوحنا:
(1) آيات تتكلم عن السلطان الموهوب من أقنوم الآب لأقنوم الابن، منذ الأزل.
(2) آيات تتكلم عن سلطان وهبه الله الآب للمسيح كإنسان، لأنه أخضع ذاته لكل محدوديَّات وقوانين البشر. ليتصور لهم كالإنسان الكامل الذي خُلق بحسبه آدم وحواء قبل السقوط!! والآن أُظهر، لكي يعيد للبشر الهوية التي خلقوا عليها. ولكي يسعوا ليتغيروا على صورته كل يوم أكثر وأكثر (يوحنا 13: 15، 34  و15: 10، 12  و1 يوحنا 3: 16).
فهتان الحقيقتان السابقتان، كأنهما كجناحين لنسرٍ واحد؛ إن فهمناهما سنفهم كل الإيمان المسيحي. وإن لم نفهمها لن نفهم جوهر وحي إنجيل يوحنا، ولن نفهم الإيمان المسيحي كله.

القدس - 18/ 09/ 2026
باسم أدرنلي

 
145 مشاهدة