كنيسة بلا جدران

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (3) تقديم أقنوميْ: الروح القدس والآب

كما قلنا في المقال الأول، نحن نفهم مُعظم ما نحتاج أن نفهمه عن الله الواحد المثلث الأقانيم، من وحي إنجيل يوحنا. لذلك سنبدأ نستطلع كيف قدم وحي إنجيل يوحنا كلا أقنومي الآب والروح القدس.

أولا: تقديم أقنوم الروح القدس
أول ظهور لأقنوم الروح القدس في إنجيل يوحنا، هو أيضًا في الإصحاح 1؛ عندما تعمد المسيح:
"32 وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلاً: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. 33 وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. 34 وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ»" يوحنا 1.
فنجد أن الروح القدس أدى للشهادة بأن المسيح هو ابن الله. ولعل أهم أمر في هذه القضية، هو إظهار شيء ما مرئي، لأقنوم الله الروح القدس. حيث هذه أول مرة يظهر بها الروح القدس مع علامة مرئية في الكتاب المقدس كله. ظهر للشهادة لظهور الله بالجسد في عالمنا. حيث أتت معه شهادة الله الآب، أمام جموع هائلة. لأنه سمع وشاهد الواقعة آلاف مؤلفة من البشر، عند معمودية يسوع. صوت من السماء، يتكلم ويشهد عن المسيح. ورأوا الروح القدس حال عليه كحمامة، كشهادة السماء على هذا الحدث المحوري المصيري في تاريخ الأرض:
"5 حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ (يعني آلاف مؤلفة)، 6 وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ... 16 فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، 17 وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: « هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (الآلاف سمعوا صوت الله شخصيًا، من السماء، يشهد للمسيح!!)" متى 3.
فعند المعمودية، رأينا الآب يتكلم من السماء، ويعلن "ابني الحبيب"؛ وأيضًا الروح القدس نازلٌ عليه كحمامة مرئية. لإعلان الله الوحد المثلث الأقانيم لجموع كثيرة من اليهود: الآب، الابن والروح القدس.
أيضًا أظهرت علامة أخرى مرئية للروح القدس، في سفر أعمال الرسل؛ على هيئة ألسنة منقسمة كأنها من نار (أعمال 2: 3). لتعلن دهر عصر جديد؛ وهو عصر الكنسية الروح القدس.
ونرى الروح القدس هو الأقنوم الذي يسكن في المؤمن لكي يتصل بالله، عن طريق الولادة من فوق!
"3 أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ»... 5 أَجَابَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" يوحنا 3.

ثانيًا: تقديم أقنوم الآب
إلى أن نأتي ليوحنا الإصحاح الثالث؛ نجد وحي يوحنا لا يزال يتكلم عن الله، وليس الآب. فكل التعابير عن الذات الإلهية إلى الآن، وردت بصيغة "الله"، وليس الآب. هو الذي بادر ليخلص البشر عن طريق ابنه:
"16 لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ (يذكر الله، لأن الخلاص هو عمل الثلاثة أقانيم) الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. 17 لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ" يوحنا 3.
يوحنا يسمع صوت الله، وينقاد بالروح القدس الذي امتلأ به وهو في رحم أليصابات أمِّه (لوقا 1: 15)؛ فشهد عن المسيح، أنه هو المزمع أن يفتح الباب لسكنى الروح القدس في المؤمنين:
"33 وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. 34 وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ»" يوحنا 1.
لكن في أواخر يوحنا 3، أعطى وحي يوحنا الامتياز لهذا النبي العظيم، يوحنا المعمدان، أن يكون أول من يقدم أقنوم الله الآب، وذلك بقوله:
"35 اَلآبُ يُحِبُّ الاِبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" يوحنا 3.
فنجد أن وحي إنجيل يوحنا يعطي الامتياز لشهادة هذا النبي العظيم عن المسيح في أهم ثلاثة أساسات في كل الإيمان المسيحي:
(1) يقدم المعمدان المسيح كالذبيحة التي سترفع خطايا العالم:
"29 وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ... 36 فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ!». يوحنا 1.
(2) يقدم المسيح كالمحور الوحيد للحياة والموت!
ويوحنا المعمدان أيضًا يعلن للعالم إعلانًا يشكل مفترق طرق حَرِجْ في حياة ومصير كل البشر والشعوب: 
هذا المفرق هو: "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ (مقابل) الَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ"!
"36 اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ»" يوحنا 3.
فالمسيح، كأقنوم الابن، هو الفيصل الذي يفصل بين الذين مصيرهم الهلاك الأبدي، والذين مصيرهم الحياة الأبدية. 
* يوحنا المعمدان يشهد ويقول لنا؛ أنه من يؤمن "بالابن": كأقنوم الله الكلمة، سيبدأ على الأرض يختبر الحياة الأبدية والبركة الإلهية. 
* ومن لا يؤمن بالابن، لن ير الحياة، بل يمكث عليه غضب الله!! وهذا يحدد مصير الأمم والشعوب أيضًا. فكل الدول والأمم التي تمنع وتحارب رسالة الإنجيل؛ ستكون من أظلم الأمم وأفشلها، ولن تر الخير والبركة والسلام؛ بل يمكث عليها غضب الله. هذا أهم فرق بين دول ودول أخرى.
(3) لقد دُفع للمسيح، كل سلطان في السماء وعلى الأرض!!
وذلك بقول المعمدان:
"35 اَلآبُ يُحِبُّ الاِبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" يوحنا 3.
فما هو السلطان الإلهي الذي دُفع للمسيح بالتحديد؟ هذا هو أهم موضوع في وحي إنجيل يوحنا. 
أي أن هذه مشيئة الآب، أن يكون أقنوم الابن هو القناة المُعَدَّة للبشر، للدخول للراحة الإلهية والحياة أمام النور الإلهي الدائم؛ حيث هو النور الحقيقي. هو صاحب السلطان الإلهي التام، في السماوات والأرض. لأنه ذراع الرب التنفيذية للخلق، الحياة، النور، الدينونة، الحكم...إلخ (كما قلنا سابقًا في المقال الأول)؛ لذلك قال المسيح بلسانه في وحي متى: 
"دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (متى 28: 18). 
هل هناك نبي عاقل في كل الوجود البشري، يقدر أن يقول إنه صاحب "كل" سلطان في السماء، وعلى الأرض!!!
فكيف يكون المسيح هو الفيصل الذي يحدد مصير البشر، إما الحياة الأبدية، أم الهلاك؟
لأن الآب دفع كل شيءٍ بيده! ما في السماوات وما على الأرض. فأقنوم الكلمة، الابن، المسيح هو المفصل والمحور الذي يربط كل ما في السماوات وعلى الأرض؛ بين الخالق وخلقه!
"لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ (أي في المسيح)" (أفسس 1: 10)
وهذه خلاصة إنجيل يوحنا، سلطان الابن، الذي لا يمكن أن يكون أقل من سلطان الله الآب؛ حيث لا يمكن فصله عنه. الذي كل البركات الإلهية والحياة الأبدية مرتبطة به. 
سنفتح أكثر في المقالات القادمة شعار "اَلآبُ يُحِبُّ الاِبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ"؛ كيف يشرحه لنا وحي إنجيل يوحنا.

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (1) من هو "الكلمة"؟

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (2) معنى "ابن الله"؟

القدس - 25/ 08/ 2026
باسم أدرنلي

 
130 مشاهدة