كنيسة بلا جدران

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (1) من هو "الكلمة"؟

يعتقد الكثير من النقاد، مُخطئين؛ أن الثالوث من اختراع بولس!! وهذا خطأ كبير جدًا. أولا تثبت وحي بولس بدلائل قاطعة خارجة عن إطار ذاته واختباره؛ بالشرطين اللذين تتثبت بهما نبوءة أي شخص موحى له (مع أنه يكفي فقط أحدهم). وهما المعجزات، وشهادة الرسل؛ ابتداءً من حَنَنْيَا، الذي أكد له المسيح اختيار بولس بمعجزة (أعمال 9: 10-18)، وشهادة بطرس عنه وجميع باقي الرسل، الذين أرسلوا مندوبين من أورشليم لمؤمني أنطاكية، برسالة منهم، لفحص خدمته (أعمال 15: 22-35). لكن المخزي في الأمر لدى النقاد، هو أن وحي بولس لا يذكر الكثير عن الثالوث أصلا؛ ربما بضع آيات، لا يستخدمها المسيحيون عادة!! لكن الذي يشرح لنا بالتفصيل عن الثالوث، وتداخل أقانيم الله الواحد الثلاثة: الآب، الابن، والروح القدس، وأدوارها وطبائعها في إطار نفس ذات الله الواحد؛ هو وحي إنجيل يوحنا. لذلك سيكون هذا المقال لاستعراض تعاليم الثالوث، من تعاليم وحي إنجيل يوحنا:

من أقنوم الكلمة، لأقنوم الابن!! 
من يوحنا 1، وفيه نجد مقدمة، تطرح الأساس لكل إنجيل يوحنا.
(1) الله هو الكلمة:
* يبدأ أنجيله، بإعلان وجود الكلمة قبل بداية الخلق وأي شيء موجود، ما عدا الخالق!! "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ"
* وبعدها يحير القارئ أكثر، بقوله: "وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ"؛ مما يثير تساؤل كبير: مفروض أنه قبل خلق أي شيء، كان فقط الخالق وحده موجودًا؛ فكيف يقول لنا الوحي: "والكلمة كان عند الله"؟؟
* ورأسا، وفي نفس الآية الأولى، يجيب على هذه المعضلة بقوله: "وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ". وباليونانية الترجمة الحرفية هي "والله كان هو الكلمة"، في صياغة أقوى وصارمة أكثر للتأكيد أنه لا فصل بين الله والكلمة. 
* لكن في العدد 2 يرجع ويقول عن الكلمة "هذا كان في البدء عند الله"، للإشارة لآية سفر الأمثال النبوية بصوت "الحكمة"، أي الكلمة، عندما قال:
"23 مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ... 30 كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا (أي خالقًا)، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِمًا قُدَّامَهُ" أمثال 8.
(2) الكلمة هي الذراع التنفيذية للذات الإلهية:
* من ثم يبتدئ يعلن أن أقنوم الكلمة، به خلق كل شيء "3 كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ.."؛ أي كل شيء بكلمة الرب خلق، من الآية الثالثة من أول سفر التكوين: "3 وقال الله ليكن نور..."
لذلك أيضًا قال: "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (المزامير 33: 6).
وليجزم بشكل قاطع هذه القضية قال وحي العهد الجديد:
"وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (أفسس 3: 9).
لكن، ألا يمكن أن يكون الله خلق الكلمة، وأمره أن يخلق كل شيء؟
الجوب: لا وألف لا؛ وذلك بسبب تكملة الآية 3 "وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ". فلو كان الكلمة مخلوقًا، لا يصح القول، أنه بدونه لا يوجد خلق!! يحق قول هذا فقط إذا كان الكلمة هو الله فعلا كما قال. ونعم بدون الله الخالق وحده، لا يوجد خلق.
* فيه كانت الحياة، التي هي النور الذي تكلم عنه أول مرة في الخلق؛ عندما أول مرة ظهر كلمة الله بكلمة "قال": "وقال الله ليكن نور.." حيث يبتدئ بتقديم المسيح كـ" النور الحقيقي"، الذي فيه كانت الحياة ذاتها!!
"4 فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ... 9 كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ" يوحنا 1.
(3) الكلمة يأخذ جسدًا، ويعيش بيننا:
"14 وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً. 16 وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. 17 لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا" يوحنا 1.
بواسطة موسى الله وهب شريعة قوانين للإنسان؛ لكن أظهر للبشر ملء نعمة الله في شخص يسوع المسيح البشري.
وشعار التجسد، الذي دعوته في النقطة السابقة "الذراع التنفيذية للذات الإلهية"؛ هو ليس مصطلح من ابتكاري، بل هذا أحد التعابير التي يعبر عنها الله في سفر إشعياء، عن التجسد. فبعدما يستعرض إشعياء خطايا البشر، التي ليس لها أي حل بشري (إشعياء 59: 1-15). يُعلن أنه ليس هناك حل، سوى أن يَمِدَّ الله ذراعه لعالمنا، لكي يخلصنا بنفسه. وأن يحتوي بره وخلاصه المطلوب، بنفسه؛ دون أن يسلمه لأي بشر فيما بعد!!
"16 فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ، وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ (من كلمة "شفيع"، نتأكد هنا أنه يتكلم عن إنقاذ البشر من الخطية). فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ، وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَهُ" إشعياء 59.
فإشعياء يتكلم عن التجسد قبل أكثر من 700 عام من مجيء المسيح؛ كالله الذي مد ذراعه لعالمنا، ليخلصنا! فكما أنه لا فصل بين الله وذراعه؛ كذلك لا فصل بين الله وكلمته الذي صار جسدًا ليخصلنا.
(4) الكلمة هو أقنوم الابن:
أقنوم الكلمة هو أيضًأ إعلان المجد المرئي للذات الإلهية، التي لم يرها أحد قط:
"18 اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ."
لذلك جميع الذي رأوا الله في العهد القديم، هذه الآية تخبرنا أنهم رأوا بالفعل أقنوم الكلمة، الابن؛ مثل:
ظهور الله لإبراهيم (تكوين 12: 7  و18: 1-2)، وليعقوب (تكوين 32: 30)، ولموسى في العليقة (خروج 3: 4  و33: 11)، ولإشعياء (إشعياء 6: 1، 5)...إلخ.
وبحسب إنجيل يوحنا، كناية "ابن الله"، وادعاء المسيح أن الله أبوه؛ تعني أنه معادلاً لله، أي هو الله شخصيًا:
"18 فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ" يوحنا 5. 
وهكذا شهد قادة اليهود أمام بيلاطس، بأقصى درجات الدقة: 
"7 أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ»" يوحنا 19.
(5) الابن هو المُخَلِّص الذي يرفع خطية العالم:
هذا ما أعلنه يوحنا المعمدان عندما رأى المسيح:
"29 وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! 30 هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي (كإنسان يسوع أصغر من يوحنا؛ لكنه كان قبله، كأزلي الكون)... 36 فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ!»" يوحنا 1.
وليس هذا فقط، بل بهذه الآيات البسيطة، بتعبير "حمل الله"، يؤكد يوحنا المعمدان أن المسيح أتى ليقدم نفسه كذبيحة إثم، ككفارة لجميع البشر (2 يوحنا 2: 1-2).
وقبل أن ينتهي الإصحاح الأول من يوحنا، يختمه، بتقديم شعار "ابن الإنسان":
" وَقَالَ لَهُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ»" يوحنا 1.
وهذه الآية يقدمها وحي يوحنا كخاتمة للإصحاح الأول، الذي يقدم أسماء وكنايات كثيرة عنه. فبالإضافة لإعلان وحي يوحنا عن حقيقة شخص "الكلمة"، أنه الله (ع 1)؛ يقدم لنا في إصحاحه الأول باقة هائلة من الأوصاف عن أقنوم الكلمة: 
الأزلي (ع 1، 30)، خالق كل شيء (ع 3، 10)، فيه كانت الحياة (ع 4)، النور الحقيقي (ع 9)، واهب سلطان البنوة لله (ع 12)، ناقل مجد الله (ع 14)، مصدر النعمة (ع 16)، الابن الوحيد (ع 18)، المسيح (بشكل مبطن، ع 25-27)، حمل الله، أي فادي البشر (ع 29، 36)، يعمد بالروح القدس (ع 33)، ابن الله (ع 34، 49)، المعلم (ع 38)، داعي البشر ليتبعوه (ع 40، 43)، المسيح (بشكل علني ع 41)، الذي كتب عنه موسى (ع 45)، ملك إسرائيل (ع 49)، ابن الإنسان (ع 51)!!!
تصور هذا الكم الهائل من الأوصاف الذي يقدمه يوحنا في أول إصحاح من وحي إنجيله فقط!!؟

شرح الثالوث، من إنجيل يوحنا (2) من هو "الكلمة"؟

القدس - 04/ 08/ 2026
باسم أدرنلي

70 مشاهدة