كنيسة بلا جدران

الله ليس كمثله شيء؛ لكن كيف؟

دائمًا الأحباء المسلمين يشددون على آية عندهم في القرآن، بأن الله "ليس كمثله شيء"؛ والآية الكاملة هي: 
"فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشوري 11). 
وهي الآية القرآنية الوحيدة عندهم التي تصف الله في هذا الوصف. فهل إذا نشأت طفرة، خروف برأسين مثلا (وحدث بالفعل)؛ ونقول أنه ليس كمثله شيء في الوجود، يصبح كألله، ليس كمثله شيء؟ أو ممكن أن يجادل أحدهم ويقول، ليس كمثل جميع عجائب الدنيا السبعة، شيء... إلخ. فنجد أن هذا الوصف المنقول من كتابنا أصلا؛ ليس أنه خطأ، لكن كاتب القرآن الذي نقله، لم يدرك أنه مجرد جزئية صغيرة جدًا من منظومة هائلة لوصف كمال وعظمة الله. ولا يكفي هذا الوصف لوحده، حيث لا ينصف الله. لأنه لا يتعامل مع كل الجوانب المُعلنة لنا، من ذات الله غير المحدود، المجيد، والمتميز عن كل ما خلق. 
ونحن نتفق مع هذا القول تمامًا، فنرى القضية في الكتاب المقدس من عدة جوانب كاملة شاملة من آيات كثيرة من الكتاب المقدس، المفصل والمُفَسِّر لكل شيء. فسنرى آيات تفسر عظمة الله، وكم ليس كمثله شيء في جوانب كثيرة؛ منها:

أولاً، الله كلي الوجود؛ أي يملأ السماوات والأرض:
"23 أَلَعَلِّي إِلهٌ مِنْ قَرِيبٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلَسْتُ إِلهًا مِنْ بَعِيدٍ. 24 إِذَا اخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟" إرميا 23.
النصوص الإسلامية، ذكرت أن كرسي الله يملأ السموات والأرض، جنة الله عرضها السموات الأرض؛ وتسبيح البشر يملأ السموات والأرض؛ لكن لم يذكر كاتب القرآن أن الله نفسه يملأ السماوات والأرض!!!
فتقول آية الكرسي في قرآن المسلمين: 
"وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ (أي لا يثقله، يتعبه) حِفْظُهُمَا (المثنى هنا خطأ نحوي) وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (البقرة 255).
يفسرها فقهاء المسلمين بأن هذا التعبير يظهر سعة علم الله وملكه على السماوات والأرض. لكن مع عدم تفسير بدقة ما المقصود بملكه على الأرض، نقع في مشكلة؛ فكيف يكون الله ملك على الأرض، وهي مليئة بالشر والظلم؟
الكتاب المقدس وضَّح، الله عرشه في السماوات، والأرض أعطاها لبني آدم:
"السَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا الأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ" (المزامير 115: 16).
لذلك التعبير الأصح، الذي يطرحه الله في وحيه الدقيق؛ هو أن عرشه في السماوات (بالجمع)، والأرض هي مجرد موطئًا لقدميه (بشكل رمزي):
"1 هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «السَّمَاوَاتُ كُرْسِيِّي، وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ.." أشعياء 66.
أي أن الله يحكم في السماوات، بملء سلطانه وحقه وعدله؛ وترك الأرض لبني البشر (مزمور 115: 16). لكنه سائد عليها، مما يعني: 
* يقدر أن يتدخل بها متى شاء.
* مراقب وراصد لكل ما يحدث عليها.
* يتحكم بنتائج قرارات البشر، التي في الكثير من الأحيان تكون شريرة.
* يضربها ويؤدب الإنسانَ، البشرَ، حكامًا وشعوبًا. 
* يتدخل بها من خلال كنيسته (أفسس 3: 10)، ومسيحه الحي لخلاص الإنسان، ورفع غضبه عن فاسقي الأرض، إلى حين. حيث دُفِعَ كل سلطان إلهي على الأرض للمسيح (متى 28: 18).
لا السماوات ولا الأرض المخلوقين، يقدروا أن يحتووا الله!!!
كما قال سليمان في صلاة تدشينه للهيكل:
"27 لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ (يعني حتى السماوات، لا تحتوي الله!! طبعًا، لأنه خلقها، فكيف تحتويه!!)، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ (هيكل سليمان)؟" 1 ملوك 8.
فعناية الله تحيط بالإنسان من كل مكان:
"3 مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا اسْمُ الرَّبِّ مُسَبَّحٌ. 4 الرَّبُّ عَال فَوْقَ كُلِّ الأُمَمِ. فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ. 5 مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا السَّاكِنِ فِي الأَعَالِي؟ 6 النَّاظِرِ الأَسَافِلَ فِي السَّمَاوَاتِ (انتبه لشرح هذه الجزئية لاحقًا) وَفِي الأَرْضِ" مزمور 113.
انتبه لهذا التعبير المُعْجِز في الآية 6: "الناظر الأسافل في السماوات"؛ أي ينظر للسماوات كشيء أسفل منه!! لأن الوحي يؤكد، كما رأينا في الآية السابقة، أنه حتى السماوات التي خلقها، لا تحتويه؛ وغير طاهرة بعينيه (أيوب 15: 15). 
وأيضًا في الآية 4، قبلها: "فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُه"؛ نعم فهو أعظم وأعلى من أي سماء، كونه خلقها؛ وأعلى من أي شيء خلقه! فتحمل هذه الآية أيضًا، نفس معنى الآية 6.
كلي العلم، أي يعلم كل قلوب وأعمال البشر!
"14 مِنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ تَطَلَّعَ إِلَى جَمِيعِ سُكَّانِ الأَرْضِ. 15 الْمُصَوِّرُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعًا، الْمُنْتَبِهُ إِلَى كُلِّ أَعْمَالِهِمْ." مزمور 33.
"3 فِي كُلِّ مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ مُرَاقِبَتَانِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ" أمثال 15.
فلا يحتاج أن ينزل الله لسماء الدنيى في الثلث الثالث من الليل ليسمع صلاة خلقه، ولا يحتاج لملاكين ليسجلان أعمال الإنسان؛ وكأن الله منتظر الاطلاع على النتائج، مثل رئيس شركة منتظر تقارير، والعياذ بالله! ولا شيء من كل هذه الصور البشرية الهزلية المجرمة المهينة بحق الله!! بل الله يرى كل قلوب البشر وأعمالهم، وهو في مكانه؛ لأن معرفته وحضوره يملأن السماوات والأرض. ويعلم كل فكرة في كل قلب وعقل أي إنسان؛ وعبر كل الأزمنة والأوقات!!
انظر إلى كمال معرفة الله للإنسان؛ كيف يصوره وحيه الحقيقي الوحيد، الكتاب المقدس:
"1 يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. 2 أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. 3 مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. 4 لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا. 5 مِنْ خَلْفٍ وَمِنْ قُدَّامٍ حَاصَرْتَنِي، وَجَعَلْتَ عَلَيَّ يَدَكَ...8 إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. 9 إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ (أي أصعب مكان للوصول إليه في الأرض)، 10 فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ... 13 لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي. 14 أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. 15 لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. 16 رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ يَوْمَ تَصَوَّرَتْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا." مزمور 139.
مجدًا لك أيها الرب العظيم والقدير؛ ولا مثل لكتابك المقدس الكامل الشامل، الذي ينصفك ويعظم من شأنك أكثر من كل كتاب بشري آخر. من الصعب تفصيل تفاسير كل آية مما سبق؛ لكن أتركها لتأمل القارئ. فكلمة الله غير محدودة، كما يصف الوحي ذاته ويقول:
"96 لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا" المزامير 119.
نلاحظ من النص السابق شيء مجيد أيضًا عن صفة الله أنه كُلِّيْ الوجود. أنها لا تعني أنه موجود في كل مكان، كما يظن بضع المؤمنين؛ بل تعني أن كل الوجود الذي خلقه، قائم في حضرة الله. وذلك من آيات عديدة، ومنها آية 8، من النص السابق:
"8 إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ" مزمور 139.
نلاحظ كيف في الآية، عندما ذكر الوحي السماوات، قال عن الله: "أنت هناك". وعندما ذكر الهاوية، أي الجحيم، قال: "فها أنت"! أي يد الله ستطال المؤمن وحتى لو فرش بمحض إرادته، في الهاوية الموت، وتقدر أن تنقذه. لكن هذا يعني أن الله ليس مكان حضوره فعليًا، أي في الجحيم، بل في السماوات. فلا يمكن أن يجد أي شخص كتاب، دقيق، ثاقب، يصف الله بطريقة منصفة له ممجده لشخصه؛ مثل وحيه الواحد والأوحد، الكتاب المقدس.

ثانيًا، ليس كمثل الله شيء بخلقه وإبداعه:
"8 لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ" مزامير 86.
"9 اُذْكُرُوا الأَوَّلِيَّاتِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي" أشعياء 46.
في المقابل، نجد وصف الإله القرآني لله، بقوله: "فتبارك الله أحسن الخالقين" (المؤمنين 14). هنا لا يجوز أن يطلق صفة الخلق لأي كيان، دونه!! الإنسان خلاق، أي مبدع، يصنع أمور جميلة من المواد المخلوقة. لكن خلق الله، هو إيجاد شيء من العدم (إشعياء 41: 24 وعبرانيين 11: 1)؛ وهي صفة متوحدة فقط على الله. وهذا ما يقوله القرآن أيضًا: "أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف 54). وهي آية كأنها تناقض الآية السابقة؛ حيث نرى أيضًا صفة الخلق وهبت للمسيح في القرآن (أل عمران 49)!! وحي الكتاب المقدس، لا يمكن أن ينسب الخلق لأي إنسان. سواء بتعبير لازم معناه أم لا!
صفة الخلق لله، تتطلب من المؤمن إقرارها، وتسبيحه عليها:
"17 يَا رَبُّ، لَيْسَ مِثْلُكَ وَلاَ إِلهَ غَيْرُكَ حَسَبَ كُلِّ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا" 1 أخبار 17
"10 فَقَالَ: «غَدًا». فَقَالَ: «كَقَوْلِكَ. لِكَيْ تَعْرِفَ أَنْ لَيْسَ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا" خروج 8
"22 لِذلِكَ قَدْ عَظُمْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَيْسَ إِلهٌ غَيْرَكَ حَسَبَ كُلِّ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا" 2 صموئيل 7

ثالثًا، ليس كمثل الله، بصفاته العظيمة:
بعض ما جاء في هذا الباب:
كامل في الحماية:
"2 لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلهِنَا" 1 صموئيل 2.
كامل في معونته للإنسان:
"26 «لَيْسَ مِثْلَ اللهِ يَا يَشُورُونُ. يَرْكَبُ السَّمَاءَ فِي مَعُونَتِكَ، وَالْغَمَامَ فِي عَظَمَتِهِ" تثنية 33.
كامل في سلطانه وملكه:
"7 مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا مَلِكَ الشُّعُوبِ؟ لأَنَّهُ بِكَ يَلِيقُ. لأَنَّهُ فِي جَمِيعِ حُكَمَاءِ الشُّعُوبِ وَفِي كُلِّ مَمَالِكِهِمْ لَيْسَ مِثْلَكَ" إرميا 10.
"14 لأَنِّي هذِهِ الْمَرَّةَ أُرْسِلُ جَمِيعَ ضَرَبَاتِي إِلَى قَلْبِكَ وَعَلَى عَبِيدِكَ وَشَعْبِكَ، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنْ لَيْسَ مِثْلِي فِي كُلِّ الأَرْضِ" خروج 9.
ليس كمثله، في إظهار ذاته للبشر:
"24 يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، أَنْتَ قَدِ ابْتَدَأْتَ تُرِي عَبْدَكَ عَظَمَتَكَ وَيَدَكَ الشَّدِيدَةَ. فَإِنَّهُ أَيُّ إِلهٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ يَعْمَلُ كَأَعْمَالِكَ وَكَجَبَرُوتِكَ؟" تثنية 3.
كامل في حفظه العهد والرحمة:
"(صلاة سليمان) 23 وَقَالَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، لَيْسَ إِلهٌ مِثْلَكَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَلاَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ، حَافِظُ الْعَهْدِ وَالرَّحْمَةِ لِعَبِيدِكَ السَّائِرِينَ أَمَامَكَ بِكُلِّ قُلُوبِهِمْ" 1 ملوك 8

رابعًا، الله لم يتشبه بخلقه، بل شبَّه خلقه به:
نرى أيضًا من الكتاب المقدس، أن الله لا يتشبه بخلقه، بل شبه خلقه به. وفي هذا الباب، نقول طبعًا ليس القصد هنا، أن الخالق فعلا مثل خلقه؛ بل دعنا نقول أنه صورة باهتة عنه، ظل له، يدل عليه، ويظهر إبداعه في خلقه وجماله. كالفنان الذي يرسم لوحه جميلة؛ مؤكد هنا أن اللوحة هي ليست الفنان ذاته! بل تظهر جانبًا صغيرًا عنه:
"1 اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. 2 يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا." مزمور 19.
الآية 2 تعني أن الله خلق الخليقة، بشكل يثير حب استطلاع البشر "يذيع كلامًا"، ويحفزهم للسعي لاكتشاف الكون، والتعرف عليه؛ لعلهم يمجدوا الخالق على عظمة خلقه. لكن كثيرًا ما يحدث العكس تمامًا، يلتجؤون للإلحاد ورفض الخالق:
"19 إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، 20 لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ 21 لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ." رومية 1.
وحتى الإلحاد، نرى أن وحي الكتاب المقدس وحده، الذي واجه الإلحاد من جذوره؛ وأشار له بأنه إلحاد القلب. لأنه هناك أناس تنكر وجود الله قلبًا وقالبًا. وهناك أناس تنظر وجود الله، وهم سرًا يقدسونه. وهناك أناس تعظ للناس بكل آيات الله، وهم لا يؤمنون به!! كما قال الله في وحيه: "وَلِلشِّرِّيرِ قَالَ اللهُ: مَا لَكَ تُحَدِّثُ بِفَرَائِضِي.." (المزامير 50: 16). أي في أفواههم يعظون بكلام الله، وفي قلوبهم يلحدون به. فالله الحقيقي طبعًا ينظر أولا للقلب، لأن هذا ما يهمه. لذلك قال للملحدين:
"قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا" (المزامير 14: 1  وأيضًا 53: 1).

خامسًا، الله يتجسد على الأرض:
نعم هذا الإله الذي يملأ السماوات الأرض؛ قبل قرابة ألفي عام، جسد كلمته في عالمنا، كما يقول الوحي:
"1 فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ... 14 وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" يوحنا 1.
لقد تجسد أقنوم الكلمة لنا، لهدفين:
(1) ليُخلص الإنسان من الخطية والموت؛ لأنه الوحيد الذي انتصر على الخطية وعلى الموت، ببعثه منه.
(2) ليُظهر للإنسان الصورة التي خُلق عليها في الأصل، بحسب صورة ومثال المسيح للبشر. لكي نتبع سنة الله المتجسد شخصيًا، ولا نتبع سنة أنبياء بشر؛ لأن هذا حرام وكُفْر. ولأن جميع البشر خطأة، فسدو عن الصورة التي خلقهم الله عليها في الأصل – صورة آدم وحواء قبل سقوطهم (رومية 3: 10-18 و23).
وهنا عادة يسأل الكثير من السائلين، خاصة المسلمين منهم؛ أسئلة نختصرة في اثنين:
* عندما تجسد الله، من بقي في السماء؟
* وهل توقف أقنوم الكلمة من مزاولة دوره الإلهي، فترة تجسده، وهو في رحم العذراء مثلا؟ 
وطبعًا صعب على المسلم أن يدرك أن الله يملأ السماوات والأرض، ولا يحده مكان. فكيف يحده أي شيء مخلوق، وهو الذي خلقه!!!؟ لذلك سنجيب عن هذه السؤالين بشقين: 
(1) المسيح وهو على الأرض، كان متصلاً مع الله الذي في السماء:
فالمسيح عندما كان على الأرض، طبعًا كان يصلي كإنسان لله الآب، فلم تكن السماء خالية منه، والعياذ بالله. فيقول الكتاب عن فترة تجسده، الآتي:
"7 الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ (أي في بشريته)، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ" عبرانيين 5.
كيف علمنا المسيح أن نخاطب الله الآب في الصلاة؟ 
هكذا: "9 فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.." متى 6.
لكن في نفس الوقت، نرى أن المسيح كألله الكلمة في فترة تجسده على الأرض؛ كان متصلاً مع الله الآب الذي في السماوات، بلا انفصال؛ وإليك بدليلين:
"5 وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ (حرفيًا باليونانية، "مع ذاته") بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ (قبل خلق العالم)" يوحنا 17.
"32 إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ (في المسيح)، فَإِنَّ اللهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ، وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعًا" يوحنا 13.
المسيح في الآيتين، موجود على الأرض؛ ويقول لله الآب "مَجِّدْنِي": "عند ذاتك" و"في ذاته"!! أي أن المسيح الموجود على الأرض، متصل بشكل مطلق مع الله الذي في السماوات، بلا انفصال. وذلك لأننا نتكلم عن الإله الواحد الحقيقي؛ الذي يملأ السماوات والأرض.
(2) في فترة تجسد أقنوم الكلمة، لم يتوقف عن ممارسة دوره الإلهي:
لقد استمر أقنوم الكلمة في ممارسة دوره الإلهي، الكوني؛ أي استخدمه المسيح خارج عن إطار حياته البشرية الخاصة (التي فيها أخلا ذاته من سلطانه الإلهي، واعتمد على الله ألآب). نرى هذا في عدة حالات، منها:
* إعطاء التلاميذ سلطان أن يشفوا مرضى، ويقيموا موتى!!
"اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا" (متى 10: 8).
نلاحظ هنا، أن معجزات المسيح ذاته، المسيح عملها كإنسان متكل على سلطان الله الآب كجميع الأنبياء: (متى 12: 28  ولوقا 11: 20  ويوحنا 5: 19، 30، 36  و6: 38  و8: 26، 28، 40  و12: 49  و14: 10، 24؛ حتى إقامة لعازر يوحنا 11: 41-43). 
أما إعطاء السلطان لتلاميذه بنفسه لكي يشفوا مرضى ويقيموا موتى. فهنا هو استخدم سلطانه الإلهي كأقنوم الكلمة؛ لأنه فقط الله يقدر أن يعطي سلطان كهذا، خاصة إقامة الموتى!!
* إطلاقه لغفران خطايا، وبرهن أن له هذا السلطان بالمعجزة (متى 9: 6 ومرقس 2: 10).
* حياته البشرية مستمدة من ذاته بخلاف جميع البشر (يوحنا 5: 26)؛ أي هو الواهب حياة بشرية لذاته، أي الوحيد الذي يمتلك حياته. لذلك أعلن أنه يقدر أحد أن يميته أو يصلبه (يوحنا 10: 17-18). لذلك هو الذي أسلم روحه، أي أمات ذاته وهو على الصليب (متى 27: 50 ومرقس 15: 37 ولوقا 23: 46 ويوحنا 19: 30)؛ عمل هذا بسلطانه الإلهي، لكن بحسب توقيت الآب، لأنه خضع له.
* قَبِلَ ورحَّبَ بعبادة وسجود بعض الناس له (مثل متى 8: 2  و9: 18  و28: 17  ويوحنا 9: 37-38)؛ ولم ينهاهم كما نهى الملاك يوحنا الحبيب عندما سجد له (رؤيا 19: 10).

القدس - 10/ 07/ 2026
باسم أدرنلي

38 مشاهدة