كنيسة بلا جدران

من أين أتى استخدام كلمة "آية"، لدى المسيحيون؟

في أحد البرامج، أتاني سؤال من أخ مسلم، يسألني قائلا: "لماذا تستخدمون كلمة "آية"، وهي كلمة إسلامية؛ يستخدمها القرآن للدلالة على أعداد السور القرآنية. وهذا إن دل، يدل على أن القرآن الكتاب الأفضل والأصدق"!!
إن كلمة "آية" هي نعم كلمة عربية؛ لكنها ليست قرآنية، بل وجدت قبل القرآن، في العصر الجاهلي!! يعني كاتب القرآن اقتبسها واستخدمها من اللغة والحضارة التي ولد فيها القرآن. لذلك سنأخذ هذه الفرصة لشرح الكلمات الأصلية المستخدمة في الكتاب المقدس للكلمة، وما هي الكلمات التي عبر بها الكتاب المقدس عن الجزئيات الصغيرة من الفصول الكتابية. وعن كلمة "آية" وتوابعها؛ لذلك نقول الآتي:

أولا، كلمة "آية" لم يبتكرها القرآن، بل استخدمت في الشعر الجاهلي:
مثل شعر زيد بن نفيل (مات سنة 605 م) أي توفي قبل ولادة الإسلام بخمس سنين!! قال:
فقالت مريم أنى يكون ولم أكن    بغياً ولا حبلى ولا ذات قيم
فقـال لهـا أني من اللـه آيـة    وعلمـني والله خـير معلـم
فمع أن معنى كلمة "آية" في بيت الشعر السابق، لا تعني عدد من كتاب مقدس؛ لكن أساس معناها الأصلي يأتي بمعنى علامة إلهية ظاهرة لجميع البشر. ولها أيضًا معنيان مجازيان: قوة أو مُعجزة، ومعنى آخر، وهو جملة من وحي مقدس. وهذان المعنيان يشكلان أساسَ معنى "آية" في كتاب مقدس؛ والاستخدامات القرآنية أيضًا. جدير بالذكر أيضًا، أن كاتب القرآن، يقتبس التعبير "أنى... ولم أكُ"، من الشاعر زيد أعلاه؛ بخصوص مريم والدة المسيح. وذلك مثلا بسورة مريم 20 " قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا."
والشاعر أمية ابن أبي الصلت (مات سنة 625 م):
وهو عاش ومات، ولم يُسلِم (بحسب: "الشعر والشعراء" (459/ 1))؛ لكنه كان متصلاً بأهل الكتاب. فقال في أحد أبيات شعره:
وفي دينكـم من ربى مريـم آية    منبئة والعبـد عيسى بن مريم.
إذًا كلمة "آية" كانت موجودة قبل القرآن، وأخذها كاتب القرآن من أدب العرب؛ فلا يحق للمسلم أن يضرب بسيفها، لأنها ليست من ابتكار القرآن أصلاً!

ثانيًا، عدم حصر "آيات" الكتاب المقدس بكلمة واحدة!!
نرى بشكل واضح، أن القرآن أشار للجمل القرآنية كلها بآيات؛ والتي ممكن أن يتراوح طولها من كلمتين، على عدد من الجمل (كآية الكرسي). ونرى أن القرآن استخدم وصف عام لجملة أو جمل – آية. وفي نفس الوقت، الكتاب المقدس لم يستخدم كلمة معينة، لإبراز كل آية. إنما كان يشير لمُرَكَّب أصغر وأدق من كلمة "آية"؛ مثل "كلمة، كلمات، أقوال"؛ وقد تعني عِبارة واحدة مفيدة. مثل: 
"18 لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ (كلمات) نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ 19 وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَابِ" رؤيا 22.
إذا التعبير الذي استخدمه الوحي، هو ليس "آية" بل مركب أصغر، وأدق؛ إشارة لدقة وعظمة وحي الله، الذي كل حرف فيه مقدس وله معنى ومغزى (راجع قول المسيح في متى 5: 18).

ثالثًا، التعابير التي استخدمها الكتاب، الموازية لكلمة "آية":
نرى أن الكتاب المقدس لم يشر لجمله بكلمة واحدة محددة؛ بل بعشر تصنيفات أو تسميان. هذه الكلمات العشر، نجدها في المزمور الذي يصف كلمة الله، مزمور 119. ولكي نبسط القضية ولا نطيل (حيث أن مزمور 119 يحتوي على 176 عددًا!)، سنستشهد بمزمور 19، فهو يذكر خمسًا من العشر كلمات؛ وذلك في ثلاث آيات فقط، وهي:
"7 نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا. 8 وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ. أَمْرُ الرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ. 9 خَوْفُ الرَّبِّ نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى الأَبَدِ. أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادِلَةٌ كُلُّهَا" المزامير 19.
باختصار سنعرض الكلمات الأصلية لتسمية أنوع الآيات الخمس، ومعانيها باختصار:
"ناموس תּוֹרַה": وهي توراته، والتي تعكس منظومة متكاملة في القوانين: الروحية، الطقسية، المدنية، والأخلاقية.
"شهادات עֵדוּת": وهي آيات نرى فيها تعاملات الله مع شخصيات ومواقف مختلفة عبر الكتاب، والتي من خلالها نتعلم الكثير عن طبيعته، من خلال أجوبته وردات فعله.
"أوامر פִקֻּדֶי": وهي امتحانات وأوامر، بحفظها أنجح، وبإهمالها أفشل.
"وصايا מִצְוֺתֶ": يجب أن يطبق المؤمن جميعها لكي يرضي الله؛ وهي لصالحه.
"أحكام מִשְׁפָּטֶי": تختص بحكم الله على الأشرار، وبركته للصديقين؛ فهي تختص بالقضاء والحكم؛ الذي هو فقط بيد الله.
فإطلاق كلمة واحدة، "آية"، على كل أعداد أو آيات كلمة الله؛ يعكس سطحية كبيرة من كاتب القرآن!! لأنه ليس كل الكتاب يحمل نفس التصنيف! حتى القرآن، بسبب ضعف تعابيره وفقر سرديته، أضطر الفقهاء بالفطرة، مثل ابن العربي، لقسم آياته إلى ثلاث فئات: التوحيد والعقيدة، التذكير والقصص، والأحكام والتشريعات. وقسمة أبي حامد الغزالي إلى ستة أقسام...إلخ [1]!! وهي تصنيفات لا يصنفها القرآن لذاته، كما هو الحال في الكتاب المقدس. بل اضطر الفقهاء المسلمون بفطرتهم السليمة، إضافة هذه التصنيفات لسد نقائص طريقة سردية القرآن!! فالكتاب المقدس قسم هذه الأقسام بنفسه ولم يجعلها محط لاجتهاد مفكرين بشر محدودين ومعرضين للخطأ!! ولم يشمل كل الجمل بكلمة ووصف واحد؛ بل فَصَّل أنواع الآيات على عشر أصناف. وهذا أدق، أبلغ، ويصيب الهدف؛ وهو زيادة الوضوح للقارئ.

رابعًا، الكلمات الموازية التي يستخدمها الكتاب المقدس لـ "أية":
(1) كلمة "אות"، "أوت" العبرية، وفي السريانية "ܐܬܳܐ" "أوثو":
وهي أقرب ما يمكن أن نجده لكلمة "آية" العربية، وتعني علامة لتمييز شيء معين. أول مرة استخدمت في الكتاب المقدس، كفعل، نجدها في تكوين: 
"14 وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ." تكوين 1.
وهذا معناها بدقة: علامة، عَلَمْ، مِعيار، شاهد.. (Strong)؛ هدفه الفصل بين شيء وشيء. فكل العلامات، التي يضعها الإنسان، لتبرز شيء معين: في حدود الأراضي، الشوارع، المبادئ الأخلاقية، السلوكية، وكل تشريع آخر؛ تسمى "آية، آيات"، لتساعد الإنسان ليفصل بين المتاح وغير المتاح، الصالح وغير الصالح، ما له، وما عليه... إلخ.
(2) كلمة "פתגם"، (Pitgam) بالعبرية؛ و"فِثغومو"، بالسريانية:
نجدها في الوحي بكلمة "פִּתְגָמָ֞א فثغاما" (بالآرامي، لكن بكتابة عبرية)، وتعني: رد، جملة، أمر، تقرير، جواب، مقولة (Strong) 
مثل في دانيال 3: 16 "لا يلزمنا أن نجيب على هذا الأمر פִּתְגָמָ֞א"
عزرا 4: 17 "فأرسل الملك جوابًا" (متكررة أيضًا في عزرا 5: 7 و11)

خامسًا، ترقيم أعداد الكتاب المقدس:
أهم عنصر غائب على فكر السائل أعلاه، وعلى فكر كل شخص بسيط؛ هو أنه لا الكتاب المقدس ولا القرآن فيه "آيات" ممكن تحديدها بالجزم، بل كل هذه الأرقام اقترحت لاحقًا. فلقد قام المسيحيون بوضع أرقام للآيات من منتصف القرن السادس عشر، ابتداءً من الفرنسي روبيرت استيفانوس [2]. أما من جهة القرآن، فأضاف المسلمون الترقيم للآيات، بعد هذا التاريخ بقرون. ولهذا السبب هناك اختلاف بين الترقيم اليهودي والمسيحي للعهد القديم. وهناك اختلاف في ترقيم آيات القرآن بين المسلمين أنفسهم؛ من العد البصري، الحمصي، الدمشقي، الكوفي، المدني والمكي...إلخ [3]

سادسًا، تلخيص وخلاصة:
إذًا يوجد في الكتاب المقدس كلمات مترادفة لكلمة "آية"، كما نرى من النقطة السابقة. والكلمة الأولى، "أوت" هي أصل كلمة "آية" في اللغة العربية. ورأينا كيف الكتاب قصد ألا يشير لكل جمله مقدسة، بكلمة واحدة شاملة، بل انتهج أمرين:
(1) إبراز جزئيات أصغر من آية، لأجل الدقة في البيان؛ مثل كلمة، قول، عبارة.
(2) إبراز أنواع الجمل التي نراها في الكتاب المقدس وتصنفيها اللاهوتي، لكي يساعدنا هذا لفهم كلمة الله بشكل جيد.
ولأجل مساعدة القارئ العام على معرفة الاستشهادات الكتابية، أضاف المسيحيون الأرقام للآيات في منتصف القرن السادس عشر. أيضًا نعلم طبعًا أن النسخ الأصلية للكتاب المقدس أوحيت في اللغات، العبرية، الآرامية واليونانية. فعندما يترجم الكتاب المقدس للغة معينة؛ من الطبيعي أن يستخدم المًتَرْجِم كلمات وتعابير اللغة المُترجَم إليها – العربية في هذه الحالة. وهذا طبيعي وبديهي!! لذلك استخدم المسيحيون العرب كلمة "آية" و"عدد"، للدلالة على الجمل الكتابية، لأجل التحديد للقارئ أو المستمع. فهل المسلمون في أمريكا، عندما يستخدمون كلمة "Verse" لترجمة كلمة "آية" يعني أن الإنكليزية أبلغ أو أعلى من العربية، وهي الأصل، كما قال الناقد في بداة المقال!!؟ بالطبع لا؛ هم مضطرين لترجمة الكلمة العربية للغة التي يتواصلون بها. وأيضًا استخدم المسيحيون العرب كلمة "الله" للإشارة لكلمة "إلوهيم" العبرية. فهي المتاحة في اللغة العربية. وحدث هذا قبل كتابة القرآن وقبل مولد الإسلام.

القدس - 08/ 06/ 2026
باسم أدرنلي

[1] تنوع آراء العلماء في التقسيم الموضوعي للقرآن- إسلام ويب
[2] en.Wikipedia.org ‘Chapters and verses of the Bible’
[3] ar.wikipedia.org/wiki/ (علم عد الآيات)

 
 
272 مشاهدة