كنيسة بلا جدران

ما الإنجيل؟ ولماذا يوجد أربع أناجيل؟

هذا سؤال عادة يُسأل أكثر من الأخوة المُسلمين، لأن القرآن المكرم لديهم يقول إن الإنجيل هو كتاب أُنزل على المسيح (عيسى): "وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ" (الحديد 27). مع أن الآية القرآنية لا توضح بشكل جازم إن الإنجيل أعطي للمسيح، بل تقول ببساطة "آتيناه الإنجيل"، ولا يقل كيف. آية أخرى في قرآنهم تؤكد السردية المسيحية من جهة وحي الإنجيل، بأن الإنجيل أوحي لرسل المسيح: "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (المسيح).." (المائدة 111)!! وهذا يؤكد مفهوم وحي العهد الجديد لدينا؛ أن العهد الجديد أوحى لرسل المسيح الذين أمنوا بالله وبه!! وبعدها يقولون لك، قرآننا يقول "الإنجيل" ولا يقل "أناجيل"، فهذه الأناجيل هي من اختراعاتكم!! فحجتهم الواهية، لها جانبان: الإنجيل نزل على المسيح؛ وهو إنجيل واحد، وليس أناجيل.
أما بحسب وحي العهد الجديد، "الإنجيل" هو خبر سار، متمحور حول كل ما يخص شخص المسيح ذاته؛ والذين آمن به التلاميذ وتبعوه. فالإنجيل هو ليس كتاب أنزل على المسيح، كما يظن المسلمون؛ بل الإنجيل هو المسيح ذاته، وكل ما يخصه والطريقة التي بها شكل أتباعه من بعده. لذلك يُعرَّف الإنجيل كما يلي: "مجيء المسيح المنتظر؛ مولده وحياته، تعاليمه وأعماله، صلبه وقيامته، وحتمية مجيئه في اليوم الآخر، لكي يدين الأموات والأحياء ويملك من الآن وإلى الأبد. هو مشروع الله لتغيير حياة البشر ومصريهم الأرضي والأبدي، ليتغيروا بحسب نموذج المسيح ومثاله؛ ليعيشوا لأجل ملكوته السماوي، على الأرض وللأبد." [1]
لكي نتناول هذا الموضوع الهام جدًا، نحتاج أن نوضح سبعة أمور، وبعدها نقوم بتلخيص الموضوع في النهاية.

أولا، معنى كلمة الإنجيل لُغويًا:
إن كلمة إنجيل الأصلية في اليونانية، حرفيًا هي "euaggelion"؛ وتعني "خبر سار، بشارة"؛ فمِن معناها يُفهم أن كلمة "إنجيل" لا تعني في فحواها كتابًا، بل خبر سار انتظره البشر طوال أزمنة الأنبياء السابقين. وتنبأ عنه إشعياء سنة 711 قبل الميلاد. حيث نرى أيضًا نفس جذر الكلمة اليونانية المُستخدمة، في ترجمة السبعين شيخ لليونانية، للعهد القديم (LXX، في القرن الثالث قبل الميلاد). وذلك في نفس نبوءة إشعياء، بقوله:
"مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ (بنفس الجذر اليوناني!)، الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِ (تتكرر هنا أيضًا) بِالْخَيْرِ، الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ (خلاص المسيح القادم)، الْقَائِلِ لِصِهْيَوْنَ: «قَدْ مَلَكَ إِلهُكِ!»" (إشعياء 52: 7).
نرى من نبوءة إشعياء السابقة، أن البشارة للبشر ستأتي؛ وسيخبر ويعلن الله للعالم خلاص الله للبشر، من خلال شخص المسيح يسوع. ليكن في نهاية الآية، يُعلن أن خلاص المسيح هذا، يعني أن الله ذاته سيملك على قلوب البشر "قَدْ مَلَكَ إِلهُكِ"!!
وقبل هذه النبوءة بحولي 300 سنة، أيضًا تنبأ وحي سفر المزامير، بتجسد أقنوم الكلمة، مُبَشَّرًا به من قبل الملائكة:
"الرَّبُّ يُعْطِي كَلِمَةً (كلمة الله المتجسد). الْمُبَشِّرَاتُ (هنا أيضًا تكررت الكلمة) بِهَا جُنْدٌ كَثِيرٌ" (المزامير 68: 11).
إذا تنبأ الوحي بأن كلمة الله سيتجسد لنا، وسيُعلن للعالم عن هذا الخبر السار؛ بواسطة جمهور من الملائكة. وهذا ما حدث فعلا عند مَولد المسيح:
"8 وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، 9 وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. 10 فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ:... 13 وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: 14 «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ»" لوقا 2.
إذا الملائكة وصفوا خبر تجسد أقنوم الكلمة، الرب يسوع المسيح، ببشارة "فرح عظيم" "وبالناس المسرة". وهذا هو معنى الإنجيل؛ أجمل وأعظم وأكثر خبر مُفرح عرفته الخليقة، منذ إنشائها وإلى اليوم؛ خبر مجيء المسيح لخلاص البشر، وليس خبر نزول كتاب!!

ثانيًا، لماذا كناية "خبر سار"؟
إختار الوحي تعبيرَ "إنجيل" البشرى السارة؛ لأن المسيح دفع دين الذنوب والخطايا التي علينا، والتي لا نقدر أن ندفعها:
"لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ (أبدي!!)، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومية 6: 23).
فمعضلة البشر هي: 
إذا كانت أجرة الخطية هي موت أبدي (أي انفصال أبدي عن الله)، فكيف يدفعها الإنسان بموت أبدي، ويحيى!!؟

لذلك مات المسيح عنا وانتصر على الموت الأبدي بقيامته وبعثه منه. ولهذا، من ناحية قانونية، من يقبل خلاص المسيح ينتقل من الموت للحياة. أي يموت عن خطيته بجسد المسيح، لكي يعيش حياته الجديدة بقيامته، ليحيى لمجده!
"لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ (أي المسيح) قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا 15 وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ" 2 كورنثوس 5.
إذًا، كما تقول الآية، عندما يموت المسيح عنا، "فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا"؛ أي جميع الذين قبلوا خلاصه وربوبيته على حياتهم، يُحسبون كأموات عن خطاياهم وأحياء مع المسيح، بقيامته. فلا سلطان للموت الأول عليهم (الموت الجسدي)؛ وطبعًا لا سلطان للموت الثاني عليهم (الموت الأبدي)!!
لذلك عندما الوحي يذكر موت المسيح مقابل موتنا نحن الجسدي؛ لا يقل إننا نموت، بل ننام!!
"لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ" (1 تسالونيكي 4: 14).
فعندما الوحي يذكر موت المسيح وقيامته؛ يقول عنا "الرَّاقدون"، أي الذين ناموا، ولا يقل "الذين ماتوا"! لأنه، من ناحية قانونية، الإنسان الذي يقبل يد الله الممتدة له من خلال الرب يسوع المسيح؛ ينتقل من الموت للحياة!! لذلك نقدر أن نقول بيقين وفرح وإيمان:
"«أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ (الجحيم)؟»" (1 كورنثوس 15: 55).
فإذا كان شخص مديون بدين لا يمكن سداده؛ وجاء شخص، وقال له: "اشتغل وسد الدين، بأعمالك الحسنة" (كجمع الديانات والشرائع، ومنها الإسلام). لست أعتقد أن هذا خبر سار، بل خبر طبيعي بل مُحبط؛ خاصة عندما يكون دينه كبير لا يمكن سداده.
لكن عندما يأتي المسيح، ويقول لذلك الغارق في الديون: "لقد دفعت كل الدين الذي عليك، في الماضي وإلى آخر يوم؛ أتبعني، دعني أغير حياتك، ولا تخطئ أيضًا لكيلا يكون لك أشر"؛ هذا فعلا سيكون فعلا خبر سار ولهذا سَمِّيَ بالإنجيل، أي الخبر السار. وهذا يقودنا للنقطة القادمة.

ثالثًا، الفرق بين الإنجيل، والشرائع السابقة:
إذا كما قلنا، الإنجيل هو حياة المسيح التي سمعناها، آمنا بها، وانغرست في قلوبنا وحياتنا بروح الله الساكن فيها. كما قال المسيح عن أحد أبرز أدوار أقنوم الروح القدس الإلهي:
"ذَاكَ يُمَجِّدُنِي (يُمَجِّد المسيح)، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ (أي يجسد المسيح فينا)" (يوحنا 16: 14).
فالإنجيل غير قائم على إنزال كتاب يُدعى إنجيل، كباقي الشرائع؛ بل أرسل لنا كلمته الحي الأزلي، ليسكن فينا، يغير حياتنا ومصيرنا الأرضي والأبدي. 
كان الله في القديم، يتعامل مع الإنسان من خلال عهد شريعة؛ والشريعة التي تحتوي على سلسلة من الوصايا والأحكام، لا يمكن أن تنصف عظمة الله ورسالته للبشر. لكن نرى أن رسالة الله للبشر، وصلت لملئها بالمسيح يسوع ذاته! حيث يقول لنا الوحي، إن الله بعد انتهاء عصر الشريعة القديم والأنبياء، كلمنا في ابنه! وليس بكتاب يدعى الإنجيل!!
"1 اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، 2 كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ (أي خلق العالمين)" العبرانيين 1.
فالآيات تقول أمور في قمة الأهمية، نحتاج أن نسلط الضوء عليه. الآيات تنقل لنا نظامين:
(1) نظام الشرائع:
هو النظام القديم، الذي به الإنسان كان يجب أن يسير فقط على شرائع مكتوبة؛ يحتاج أن يطبقها، وإن أخطأ يجب أن يتحمل عقابها. وذلك من عبارة "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ". فنلاحظ كلمة "بعد ما"؛ أي بعد انتهاء حقبة الأنبياء، التي بها تكلم الله معنا بطرق عدة. 
(2) نظام الكلمة الحي:
وذلك من قوله " كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ"، فما المقصود من كلمنا في ابنه؟
أي أن الله الآب، يريد أن يجسد كلمة الله المتجسد في حياتنا، لنتغير بحسب صورته؛ هذا هو الإنجيل!
"بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ" (رومية 13: 14).
"يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غلاطية 4: 19).
"لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رومية 8: 29).
نعم، بعد فقدان الإنسان للصورة التي خُلَقِ عليها، وهي صورة المسيح؛ تجسد أقنوم الابن لنا، لكي يُظْهِر لنا الهوية البشرية الحقيقية التي خُلقنا عليها، وفقدناها بعد السقوط. 
فالمسيح لم يأتي ليدلنا على الطريق الصحيح، أو على الحق!! بل أعلن لنا أنه هو بذاته الطريق والحق والحياة!!
"قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يوحنا 14: 6)
وطبعًا هذا لا ينفي وجود وحي عهد جديد للإنجيل؛ لكنه غير مؤسس على تركيبة دينية شرائعية. بل دور الوحي أن يساعد المؤمن لاستمداد حياة المسيح في داخله، بالروح القدس، الذي يعمل مع الكلمة المكتوبة؛ الروح والحق، الذي أحد معانيه أيضًا كلمة الله (يوحنا 4: 24).
لذلك الإنجيل من ناحية عملية، هو اختبار حياة إلهية حقيقية في داخلنا، تغرس صفات المسيح فينا؛ لكي نتغير على صورته إلى أن نراه. عندها سيكتمل كل التغيير بحسب صورة المسيح:
"أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ (المسيح) نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1 يوحنا 3: 2).

رابعًا، لماذا يوجد أربعة أناجيل، وليس إنجيل واحد؟
نعم انتهج آباء الكنيسة لتسمية "الإنجيل" للأربع أناجيل؛ وهي وحي متى، مرقس، لوقا ويوحنا؛ عن، مجيء المسيح، حياته معنا على الأرض، تعاليمه، موته وقيامته، وخبر مجيئه ثانية، ليدين الأموات والأحياء. وهي تقول فعليًا، أن حياة المسيح هذه، قد قامت بشهادة أربع شهود لازموا المسيح وبشروا عنه وعن تعاليمه من زوايا مختلفة؛ وتثبت وحيهم بحسب الأصول الكتابية (التي سنشرحها في النقطة السادسة). وممكن أن نسميها الأناجيل الأربع، أو الإنجيل بأربعة أوجه:
إنجيل متى: 
كتب لإبراز أن يسوع هو المسيح الملك المُنتظر، ابن داود وابن إبراهيم؛ كتتمة لوعد الله أنه من نسل إبراهيم ستتبارك كل شعوب الأرض (تكوين 12: 3 و26: 4  وغلاطية 3: 8). لقد أسس وحي متى حقيقة شخصية المسيح على ثلاثة أعمدة أساسية، من أول أصحاح: 
(1) المسيح الملك، الذي مُلكِهِ لا يزول: "1 .. يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ (الملك الحقيقي، حيث هو رب داود 22: 45) ابْنِ إِبْراهِيمَ"؛ الذي سيحقق بركة إبراهيم لكل الأمم، وسيحقق جميع النبوات التي تنبأت عنه في العهد القديم، والتي ينتظر تحقيقها اليهود. لذلك هو أكثر بشارة، تستشهد بتحقيق آيات العهد القديم.
(2) مُخَلِّصْ البشر المنتظر: "21.. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ"؛ أي كل من يؤمن به (يصبح شعبه)، يخلص من سطوة خطاياه عليه.
(3) هو أيضًا الله الظاهر بالجسد: "23.. وَيَدْعُونَ اسْمَهُ "عِمَّانُوئِيلَ" الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا"؛ أي أتباعه، سيدعونه الله الماكث معهم، وساكن فيهم إلى الأبد. فطرح متى المعنى لكلمة "عمانوئيل"، لقارئ يهودي، حيث الطفل عنده يعرف معناها!! هو مثل كاتب عربي يفسر معنى اسم "عبد الله" لشخص عربي، فمعناها بديهي لأي طفل!! لكن كونه طرح تفسيرها، قصد منه التأكيد على أن المسيح، سيكون أيضًا هو الله الظاهر بالجسد في عالمنا. وليس في عالمنا فقد، بل يشدد متى ببشارته على نفس الفكرة في آخر آية من وحيه، بوعد المسيح القائل: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ"؛ أي أن المسيح هو الله الماكث فينا إلى الأبد. 
يتفرَّد متى بوحيه، بحوالي 45٪ مما نقله.
إنجيل مرقس:
من أول آية، يقدم شخصية المسيح كابن الله: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" أي إنجيل الله المتجلي للبشر!! حيث يربطها مع نبوءة دانيال عن شخصية لاهوت "ابن الإنسان" (دانيال 7: 13-14). "ابن الإنسان" الذي قربوه أمام عرش الله، لكي يتعبد له كل شعوب الأرض! صاحب السلطان الأبدي الذي لن يزول ولن ينقرض؛ مؤكدًا على لاهوته!! ولذلك شق رئيس الكهنة ثيابه عندما استشهد المسيح بهذه النبوءة، قائلاً إنه قد جدف (مرقس 14: 62-63). وفي آخر إنجيله يقدم جوابًا واضحًا وصريحًا أنه ابن الله (ابن المبارك) وهو المسيح أيضًا (مرقس 14: 61-62). لكن مع الطرح القصير عن عظمة مجد المسيح؛ يركز إنجيل مرقس على أنه جاء خادمًا لنا، لفدائنا (مرقس 10: 45). لذلك يركز كل باقي وحيه على (المسيح الخادم)؛ على أعماله وخدمته للبشر الذين عاش وسطهم. ونجد أن مرقس الذي قدم يسوع كالمسيح الخادم؛ يختم إنجيله بأنه أنتج تلاميذ خدام مثله؛ يكرزون بخلاص المسيح العظيم ويصنعوا معجزات مثله ويبذلوا حياتهم لأجل الآخرين: 
"وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ" (مرقس 16: 20).
يتفرَّد مرقس بوحيه، بحوالي 9٪ مما نقله.
إنجيل لوقا: 
إن وحي لوقا، يخاطب بالأخص العالم غير اليهودي؛ حيث أنه أكثر إنجيل يركز على إنسانية المسيح؛ فينقل بشارة الكاهن زكريا بمولد يوحنا المعمدان من أليصابات، قريبة عائلة القديسة العذراء مريم (لوقا 1: 5-25). ينقل بشارة العذراء أم يسوع (1: 26-37)، مريم مع أليصابات (1: 39- 56)، ومولد المسيح بتفاصيل تنقل لقاء السماء مع الأرض الشعبية الكادحة؛ كلقاء ملائكة برعاة بسطاء (2: 8-20). ينقل فترة شباب المسيح؛ ونسله من القديسة مريم، الذي يرجع ليس لإبراهيم فقط، بل لآدم أبو كل البشر؛ مؤكدًا أن آدم قبل السقوط كان "ابن الله" (3: 23-38). ولأنه ركز على جميع الأمم، لم يركز إطلاقًا على طبقة القيادة الدينية اليهودية مثل متى؛ بل نراه مثلا ينقل رأي بيلاطس أنه يرى أن المسيح بريء، ونقلها ثلاث مرات (23: 4، 14، 22). أحد أبرز المقولات التي نقلها عن المسيح؛ أنه مخلص ليس فقط الخطاة، بل الهالكين تمامًا: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ»" (لوقا 19: 10)!! لذلك بالتأكيد سيخلص جميع الأمم. 
يتفرَّد لوقا بوحيه، بحوالي 55٪ مما نقله.
إنجيل يوحنا:
إنجيل يوحنا كتب ليبرز لاهوت المسيح، كأقنوم الكلمة؛ حيث يطرح معنى كناية "ابن الله"، أنه معادلاً لله: "قال أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ" (5: 18)!! فيبدأ بإعلان أن أقنوم الكلمة كان موجودًا قبل خلق أي شيء (كألله): "وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله... وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يوحنا 1: 1 و14). أقنوم الكلمة الذي به خلق العالم وبه كانت الحياة (1: 3-4)!! يسوع حامل خطايا العالم كله (1: 29  و3: 16-17). هو الله وابنه، الذي تنبأ عنه سفر الأمثال قبل مجيئه بألف سنة؛ الذي نزل وصعد للسماء (3: 13  وأمثال 30: 4). يبرهن أنه أعظم من موسى (1: 17-18  و3: 14-16  و6: 30-51)؛ وأعظم من يعقوب (4: 11-26)؛ وأعظم من إبراهيم (8: 56-58). وأنه من البدء يعلم كل شيء (6: 64). نور العالم (8: 12). المُحَرِّر الحقيقي (8: 36). الذي يحيي البشر ويدين الأموات والأحياء (5: 21-22). حياته مستمدة من ذاته (5: 26)؛ لذلك لا يقدر أحد أن يصلبه أو يقتله، إلا أذا بذل هو نفسه بنفسه (يوحنا 10: 17-18). لا فصل بينه وبين ذات الله (13: 32  و17: 5). هو والله واحد (10: 30). الذي يراه يرى الله (14: 9). هو القيامة والحياة ذاتها (11: 25 و14: 6). ويعلن الوحي أن المسيح هو يهوه الله، الذي ظهر لإشعياء في القديم (12: 41  وإشعياء 6: 1، 5)!!
لكنه أيضًا أكثر إنجيل يشدد على إنسانيته، وتناغم إنسانيته مع لاهوته. وإذا أردت أن أقتبس وصف أغسطينوس لإنجيل يوحنا بالنسر العظيم، وأستخدمه بطريقة أخرى، أقول: إن وحي إنجيل يوحنا يطرح شخصية المسيح كالنسر العظيم المُحلق في أعلى سماء. النسر له جناحان، ألوهيته وإنسانيته؛ مع تناغم مُعْجِزْ في طرح التناغم بين إنسانيته ولاهوته، وبين أدوار الابن، الآب والروح القدس (14: 13-26)؛ كتناغم دقيقي لجناحي نسر عظيم. 
يتفرَّد يوحنا بوحيه، بحوالي 90٪ مما نقله.

فنرى أن الأناجيل الأربعة، وهي كتب سِيَرْ المسيح من أربع شهود؛ ليست جميعها نفس المادة كما يظن بعض القراء من الوهلة الأولى. لكل واحد من الرسل أوحي له أن يكتب سيرة المسيح من منظار مختلف كليًا. لذلك عندنا أربعة أناجيل، كل واحد أوحي لهم من الرسل، ينقل شهادته عن سيرة المسيح من زاوية مختلفة، بإرشاد الروح القدس. 

خامسًا، ماذا عن باقي العهد الجديد، ماذا نسميه؟
يسمى كل العهد الجديد من قبل الكثيرين أيضًا الإنجيل؛ وهو يبدأ من الأناجيل الأربعة (4 اسفار)، أعمال الرسل (سفر واحد)، الرسائل (21 سفر)، وسفر الرؤيا (سفر واحد)، 27 سفر؛ تشمل 260 فصل أو أصحاح. لكن انتهج آباء الكنيسة لتسمية فقط أسفار الأناجيل، بـ"الإنجيل"؛ فعندما يكون لديهم مكتوب في القداس الإلهي، قراءة من الإنجيل، تعني قراءة من كتب الأناجيل، سير المسيح. لكن ليس هناك أي خطأ لاهوتي في تسمية كل العهد الجديد، بالإنجيل. وذلك لأن وحي العهد الجديد، طرح الإنجيل على قسمين رئيسيين: 
(1) سيرة وحياة المسيح: 
وهو تشمل كل ما ورد إلى الآن بخصوص الأناجيل، متى، مرقس، لوقا ويوحنا، كتب السِيَرْ.
(2) التطبيق العملي لسيرة وحياة المسيح الساكن فينا:
ويشمل كل الأسفار، من أعمال الرسل لآخر العهد الجديد. وهو يظهر لنا النموذج التطبيقي لسيرة حياة المسيح وتعاليمه؛ لكل من آمن به وتبعه كمؤمن فرد، وككنيسة. إلى أن نصل لسفر الرؤيا، وهو سفر نبوي لكن أيضًا تطبيقي؛ موضوعه ماذا نعمل في الأيام الأخيرة، وكيف نكون أمناء، إلى أن نأتي إلى الحالة النهائية، التي فيها الله يرد الإنسان لراحته الأبدية النهائية: 
"1 ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ... 3 وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ. 4 وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ»" رؤيا 21.
إن هذا التقسيم للإنجيل أنه يشمل سيرة المسيح، والتطبيق العملي لحياة المسيح، في كل ممن آمن به وتبعه؛ نراه في عدة آيات على لسان المسيح نفسه:
"فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ" (مرقس 10: 29).
هنا المسيح في الآية يطرح طرفي الإنجيل، وهو المسيح ذاته "لأجلي"؛ وحياة المسيح التطبيقية فينا "ولأجل الإنجيل"، تطريق حياة الإنجيل. وأبعد من ذلك، يؤكد أن الأهم في القضية هو ليس الإيمان بحقائق عن سيرة المسيح فقط؛ بل بتبني حياة المسيح في داخلنا. فهو لا يطلب منا إيمانًا نظري به فقط، بل إيمانًا عمليًا كما علم وقال:
"46 «وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟ 47 كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. 48 يُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتًا، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ" لوقا 6.
نرى المسيح يشير للتطبيق العملي لحياة المسيح التي فينا، أيضًا في المرأة التي كسرت قارورة الطيب ومسحت جسد المسيح:
"12 فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي. 13 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا»" متى 26.
فنرى المسيح في هذه الآية، يسمي ما فعلته المرأة له "بِهذَا الإِنْجِيلِ"؛ فهو يشمل جزء من حياته طبعًا كما قلنا؛ لكنه يشمل أيضًا التطبيق العملي لما فهمته هذه المرأة من موت وقيامة المسيح. لذلك أطاعت، وكسرت أغلى ما عندها، لأجل المسيح. فكسرة الطيب في الوقت الصحيح، وهو قبل موته، بالتوقيت الدقيق والمناسب. حيث عندما أتت النسوة للقبر ليدهن جسد المسيح بالحنوط والأطياب بعد موته؛ لم ينفعهُنَّ أطيابهن لأن المسيح كان قد قام (مرقس 16: 1-8 ولوقا 24: 1-9)!! 
أيضًا نرى باقي العهد الجديد أيضًا يتطرق للجانب الثاني للإنجيل، وهو التطبيق العملي لحياة المسيح التي فينا. فمثلا عندما تكلم الوحي عن "إنجيل الغرلة" و"إنجيل الختان":
"بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ" (غلاطية 2: 7).
وهنا نسأل السؤال: ما المقصود بإنجيل الغرلة والختان؟ هل هناك أناجيل أخرى؟
لا المقصود هو تمامًا، ما تقوله النقطة الثانية؛ تطبيق الإنجيل في سياق الأمم، أي غير اليهود؛ وتطبيق الإنجيل في سياق اليهود. لأن الإنجيل هو أيضًا التطبيق العملي لحياة المسيح التي فيها (النقطة 2).
أيضًا بولس الرسول اعتبر كل خدمته العملية للإنجيل، هي "إنجيله"؛ أي خدمته للمسيح الساكن فيه (رومية 2: 16  و16: 25  و2 تيموثاوس 2: 8).

سادسًا، لماذا نصدق وحي الذين كتبوا الإنجيل، أي كل العهد الجديد؟
لقد تأكد وحي جميع رسل المسيح الذين أوحي لهم بوحي إلهي، بنفس الطريقة التي تأكد بها وحي جميع الأنبياء، عبر كل الأزمنة والعصور؛ فالله لا يتغير. تأكد وحي جميع الأنبياء السابقين بطريقتين، مجتمعتين أو منفردتين:
(1) المعجزات: وهي خرق بديهي، واضح، وعلني لمناهج الطبيعة. يفهمه الذكي والبسيط، المؤمن والكافر.
(2) شهادة النبي المشهود له، عن النبي الصاعد.
وليس بالضرورة أن يتأكد وحي النبي بالطريقتين السابقتين معًا، بل واحدة منهما تكفي. فبالرغم من أنه لا توجد آية في العهد القديم تطرح هذين الطريقتين بنص واضح؛ إلا أننا نستنتج هذين العمودين من سير الأنبياء في العهد القديم. لكن لأن القضية هامة جدًا لنا، نرى أن وحي العهد الجديد المُعجز، وضحها لنا بواسطة شهادة المسيح عن الطريقة التي فحص بها اليهود مصداقيته كنبي:
"33 أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ (اليهود طلبوا شهادة يوحنا المعمدان عن المسيح، النقطة 2). 34 وَأَنَا لاَ أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ (كألله)، وَلكِنِّي أَقُولُ هذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. 36 وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي (وهذه الأعمال، هي المعجزات، النقطة 1، راجع يوحنا 9: 16)" يوحنا 5.
فنرى الوحي يثبت شهادة الرسل المُوحى لهم بوحي العهد الجديد، بالطريقتين مجتمعتين معًا!! لكن لا يكون ذرة اعتراض عليهم. المسيح يشهد عنهم، فهم إما من التلاميذ الاثني عشر (مثل: متى، يوحنا وبطرس)، أو السبعين (مثل: مرقس، لوقا، يعقوب ويهوذا). وعندنا بولس (سنتكلم عنه لاحقًا بشكل خاص).
نرى أن جميع رسل المسيح السابقين، تثبت وحيهم بالمعجزات:
"وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ" (مرقس 16: 20).
"وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ" (أعمال الرسل 2: 43) (راجع أعمال 4: 10-15 و8: 13 و19: 11...).
ما هو الدليل على صدق وحي بولس؟
نلاحظ شيء مشترك في الدلائل التي ثبت فيها المسيح وحي الرسل؛ وهي دلائل خارجة عن ذات المشهود له. كذلك بولس كما نعلم، ظهر له المسيح وهو متجه نحو دمشق، ليضطهد المؤمنين بالمسيح هناك. لكن هذا لا نعتبره دليلاً على مصداقيته طبعًا. فالدليل يجب أن يكون من جهة خارجة عنه. لذلك نرى الدليل على مصداقية وحيه، بنفس الطريقتين:
شهادة تلميذ المسيح حنانيا عنه، بمعجزة:
بعد ظهور المسيح لبولس، يسقط على عينيه قشور فيصبح أعمى لا يرى؛ ويقول له المسيح أن يذهب لدمشق، لمكان معين، ويسأل عن تلميذ اسمه حنانيا، ليصلي له لكي يبصر. وفي نفس الوقت، يكلم حنانيا بنفس الطريقة ليطلب أن يرى شاول، الذي هو بولس. وعندها يؤكد لحنانيا أن بولس شخص مختار ورسول للمسيح؛ بمعجزة إبصاره من جديد (أعمال 9: 10 18).
تحقق مندوبين من الرسل الاثنين عشر، عن خدمة بولس!
نجد أن الرسل في أورشليم، بعدما سمعوا عن خدمة بولس والمعجزات؛ أرسلوا مندوبين منهم، ليذهبوا مع بولس، ويتحققوا من خدمته، هل فعلا الله وهبه سمات الرسولية:
"25 رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ" أعمال 15.
شهادة الرسول بطرس عن وحي بولس:
"15 وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ 16 كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ." 2 بطرس 3. 
نرى من الآيات السابقة أمرين هامين:
* من خلال عبارة: "بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ" يؤكد الرسول بطرس أن الحكمة التي كتب بها بولس، هي وحي من الله؛ فلم يكتبها من حكمته الذاتية. لذلك يحثنا على فهم ما أوحي لبولس؛ ويحذر من الانحراف في تفسير وحيه!
* أيضًا يساوي بطرس وحي بولس بباقي كتب الوحي؛ وذلك من عبارة "كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا". وهي شهادة واضحة صريحة لا غبار عليها، بأن وحي بولس مساوٍ تمامًا لباقي أسفار الكتاب المقدس.
ودليل المعجزات التي صنعها الرب على يد بولس:
"11 وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، 12 حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ" أعمال 19. 
"إِنَّ عَلاَمَاتِ الرَّسُولِ صُنِعَتْ بَيْنَكُمْ فِي كُلِّ صَبْرٍ، بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ" (2 كورنثوس 12: 12).
وهذه المعجزات، تم فحصها والتأكد من حدوثها فعلاً، من قبل الرسل الذين في أورشليم، كما بينا سابقًا (أعمال 15: 25).

سابعًا، كيف وردت كلمة إنجيل في نفس وحي العهد الجديد؟
من الطريقة التي وردت بها كلمة "إنجيل"، نتعلم الكثير عن شخص الإنجيل المتجسد، ربنا يسوع المسيح. نتعلم أيضًا ما هو الإنجيل بالنسبة لي ولنا وللعالم؛ وانعكاسه على قلوبنا، بيوتنا، حياتنا وبلادنا. لنستطلع وندرس من خلال هذه السياحة لتكرار كلمة "إنجيل" في العهد الجديد، لكي تساعد الباحث على فهم الموضوع بدراسته الشخصية أكثر. فمثلا من طريقة سرد كلمة إنجيل، نجد دلائل صارخة وواضحة أن المسيح هو الله. فتارة يسميه الإنجيل "إنجيل المسيح" وتارة يسميه إنجيل الله"؛ وتارة يسميه "إنجيل مجد المسيح" وتارة يسميه "إنجيل مجد الله"!! 
وردت كلمة "إنجيل" بإثني عشر صيغة في العهد الجديد، أدعوك أخي المؤمن أن تستخرج الشواهد وتدرس هذه الصيغ، وتتأمل في تنوع وشمول معنى الإنجيل أكثر:
(1) الإنجيل: 
[متى 26: 13  ومرقس 1: 15  و8: 35  و10: 29  و13: 10  و16: 9  و14: 9  و16: 15  وأعمال 15: 7  ورومية 10: 16  و11: 28  و1 كورنثوس 4: 15  و1 كورنثوس 9: 14 و23  و15: 1  و2 كورنثوس 8: 18  و11: 4  وغلاطية 1: 6  وغلاطية 1: 11  و2: 2 و5  و2: 14  وأفسس 3: 6  وفيلبي 1: 5 و7 و12 و17  و2 تيموثاوس 1: 8 و10  وفيليمون 1: 13]
(2) إنجيل يسوع المسيح ابن الله: 
[مرقس 1: 1]
(3) إنجيل ربنا يسوع المسيح: 
[2 تسالونيكي 1: 8]
(4) إنجيل المسيح: 
[رومية 1: 16  و15: 29  و1 كورنثوس 9: 18  و2 كورنثوس 2: 12  
و2 كورنثوس 9: 13  وغلاطية 1: 7  وفيلبي 1: 27]
(5) إنجيل الله: 
[رومية 1: 1  و15: 16  و2 كورنثوس 11: 7  و1 بطرس 4: 17]
(6) إنجيل ابنه: 
[رومية 1: 9]
(7) إنجيل مجد المسيح: 
[2 كورنثوس 4: 4  و10: 14]
(8) إنجيل مجد الله: 
[1 تيموثاوس 1: 11]
(9) إنجيلي، إنجيلنا: (مع ضمائر الملكية): 
[رومية 2: 16  و16: 25  و2 تيموثاوس 2: 8]
[2 كورنثوس 4: 3  و2 تسالونيكي 2: 14]
(10) إنجيل الغرلة: 
[غلاطية 2: 7]
(11) إنجيل خلاصكم: 
[أفسس 1: 13]
(12) إنجيل السلام: 
[افسس 6: 15]

إذا بحسب النظرة الإسلامية، كلمة إنجيل تعني كتاب نزل على عيسى، كما يسمونه!! لكن في الحقيقة وردت كلمة إنجيل في العهد الجديد 68 مرة؛ ولا مرة منها وردت بمعنى كتاب!!! فنحن لا نمجد كتاب، ولا نشرك كتاب مع الله؛ نحن نمجد المسيح، كلمة الله المتجسد، من خلال الكلمة المكتوبة؛ لأنه لا فصل بين المسيح وبين الذات الإلهية. فليس عندنا كتاب كريم، ولا شهر فضيل، عندنا إله كريم وفضيل. لذلك نسمي كتابنا الكتاب المقدَّس، بفتح الدال؛ لأننا لا نمجد كتاب، بل نمجد الإله الذي قدسه. لأنه حتى كتاب الوحي ذاته أيضًا، لا يسع مجد مسيحنا العظيم، الإله المتجسد، غير المحدود:
"وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ" (يوحنا 21: 25).
وليس عندنا طبعًا أناجيل، بل هو إنجيل واحد، موحى به عن طريق عدد من الرسل الذين شهدوا عن المسيح بوحي من الروح القدس. والإنجيل يشمل جانبين (1) حياة، أعمال، وتعاليم المسيح، و(2) والتطبيق العملي لحياة المسيح الساكن في قلوب جميع من آمن به، وتبعه من جيل الكنيسة الأولى.

القدس - 14/ 05/ 2026
باسم أدرنلي

للمزيد من المعرفة، بإمكانك أخي القارئ أن تطلع على هذا الكتيب بعنوان "ما هو الإنجيل" للقس الدكتور حنا كتناشو

 
370 مشاهدة